ما زالت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الثانية في بداية طور التركيب. في قلبها فريقه الخارجي، الدبلوماسي والدفاعي، المحاطة تشكيلته بالتكتم الشديد. الرئيس متريث حتى في التلميح إلى التعديلات المرتقبة في سياسته الخارجية، باستثناء الشرق آسيوية منها. مع ذلك، هناك شيء واحد مرجح، والبعض يقول مؤكد، وهو أن نهج "الهروب " والتأجيل والتعاطي مع الأزمات والملفات الدولية وبالتحديد الشرق أوسطية بأسلوب " الريموت كونترول "، قد انتهى. ليس برغبة وإرادة أوباما، بل بضغوط واقع وتفاقم هذه الأزمات، فضلاً عن ضغوط الكونغرس ومرجعيات ودوائر السياسة الخارجية في واشنطن.
سياسة طمر الرأس بالرمل وشراء الوقت،" نضب زيت سراجها "، كما قال أحد المحللين. الانتخابات التي كان يتذرع بها الرئيس، انقضت. قبلها شيء وبعدها شيء آخر. ولم يكن مفاجئاً أن تتزايد فور انتهائها، المطالبات حتى في صفوف حزبه الديمقراطي في مجلس الشيوخ، بضرورة " الانخراط " أكثر في الملفات الساخنة، من باب أن مواصلة الابتعاد عنها " يخلي المكان للآخرين ويضعف من موقع أميركا القيادي في العالم ".
الرئيس أوباما، الذي اختار أن تكون زيارته الخارجية الأولى إلى ثلاثة بلدان آسيوية، أراد التوكيد على الأولوية التي سبق وأعطاها للشرق الآسيوي، باعتباره المنطقة التي أخذ ينتقل إليها " مركز الثقل الاقتصادي العالمي ". يضاف إلى ذلك، تنامي صعود قوة الصين وما يواكبه من تزايد لنفوذها الإقليمي والدولي.
الفزاعة الصينية
لكن على أهميته، تأخذ بعض الأوساط الأميركية على هذا التوجه حصريته وتضخيمه. تحويل الصين إلى " فزّاعة " لا يستقيم مع واقع الحال ولا مع المصلحة الأميركية. المطلوب تعزيز التعاون مع الصين، كما يشدّد هؤلاء، خاصة بعد قدوم القيادة الجديدة التي يبدو أنها منفتحة أكثر على تطوير العلاقات. فالتركيز مطلوب الآن، كما يقولون، على أمكنة أخرى " لم يعد من الجائز تجاهلها والتباطؤ في مواجهة استحقاقاتها ". وبالتحديد: " عملية السلام وسوريا وإيران والعلاقات مع روسيا ".
فرضت الحرب على غزة العودة إلى " عملية السلام " ولو بصيغة مبهمة وخجولة. ومع خطر اندلاع حرب جديدة مفتوحة على المجهول، عاد الحديث في واشنطن إلى فكرة " المبعوث الخاص ". تردّد أن الإدارة ربما قامت بتكليف دنيس روس من جديد لتسويق " صيغة جديدة " تفضي إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. والمذكور المعروف من دوره السابق في هذا المجال بأنه وكيل إسرائيلي أكثر مما هو وسيط، قدّم في محاضرة له قبل أيام بواشنطن، مشروعه الذي أطلق عليه " برنامج الـ 14 نقطة " والذي لا جديد فيه سوى تلميع الشروط الإسرائيلية الرامية إلى مواصلة لعبة التخدير.
وساطة كلينتون
كما برز اسم جديد طرحه السناتور الجمهوري جون ماكين ،الذي دعا إلى تكليف الرئيس الأسبق بيل كلينتون القيام بدور الوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين.
من جهة ثانية، عاد التصويب وبقوة على النووي الإيراني، " كمهمة أولى في الخارج " على ما قال هنري كيسنجر، في مقالة نشرتها "واشنطن بوست". والوزير الأسبق خرج من عزلته ليشير إلى أولوية هذا الملف ولحث الإدارة على وجوب " وضع برنامج دقيق مع حدود زمنية معينة، من دون أن يعني ذلك رسم خط أحمر ينطوي على تفويض بإعلان الحرب ". وإذ شدّد على ضرورة " التفاوض الذي تفرضه الأجواء المشحونة "، فقد أعرب عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى "خاتمة مقبولة "، مع التحذير من كارثة أخرى لا تحتملها أميركا، لو تعذر قفل هذا الملف " سواء بالرضوخ أو بالضغط العسكري ".
إلى جانب غزة وإيران، تجدّدت سيرة " التحاور الاستراتيجي " المؤجل مع روسيا وإعطائه طابع الاستعجال. الرئيس كان وعد " بليونة " في هذا المجال بعد الانتخابات. خصوصاً تجاه قضية الدرع الواقي وإصرار موسكو على وجوب إبعاده عن حدودها.
سلّة أوباما الخارجية طافحة بالملفات الضاغطة والحارقة، التي ما عادت تتحمل الترحيل. السائد في واشنطن، أن سياسة الاكتفاء بالتفرّج ونفض اليد في الشرق الأوسط، نفذت صلاحيتها. الرئيس أوباما كان وما زال أقرب إلى الالتباس بشان سياساته الخارجية. هروبه إلى الشرق الأقصى لا يعفيه من الالتفات إلى الشرق الأوسط المشتعل. بعد التجديد من المفترض أن يكون متخففاً أكثر من القيود والحسابات السياسية والانتخابية. هل يفعل ويمتلك " الجرأة الاستراتيجية " حيث يجب ان يمتلكها، بعد أن افتقدها في السنوات الأربع الماضية ؟
