انعقد المؤتمر الحزبي الثامن عشر لاختيار قيادة صينية جديدة، في ظلّ ظروف غير مسبوقة. فالبلد العملاق الذي صار القوة الاقتصادية الثانية في العالم، والقوة العسكرية الأولى في الإقليم، يعيش مرحلة انتقالية، نتيجة طفرة التنمية الصاروخية التي شهدها على مدى العقود الثلاثة الماضية. طفرة جعلت من بكين أحد كبار اللاعبين على المسرحين الإقليمي والدولي. لكن في الوقت ذاته كانت للصعود ضريبته. فماعون النظام الصيني ضاق على متطلبات إنجازاته. وبات بحاجة ضاغطة إلى توسيع وإصلاح. تطوير يقول العارفون بالشؤون الصينية إن الجدل احتدم بخصوصه داخل المؤتمر والصف القيادي، على الرغم من جدار السرية السميك المضروب حوله. وإذا كان من المرجّح أن تشهد الفترة المقبلة تخفيف قبضة الدولة على الاقتصاد، إلا أنه من المستبعد حصول مثل هذه الحلحلة على المستوى السياسي، نظراً للمعارضة الضارية التي يبديها الحرس القديم في قيادة الحزب الشيوعي الصيني، وفق تقديرات المراقبين.

طبقة وسطى جديدة

مشروع رأسمالية الدولة الذي أطلقه الزعيم دانغ شياو بنغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أدّى إلى نشوء «طبقة وسطى جديدة بحجم 300 مليون صيني، رافقتها حزمة من التحديات الاجتماعية والبنيوية، واتساع الفجوة بين الميسورين والمعوزين»، كما يقول فكتور شو عضو الهيئة الاستشارية الدولية لمركز «أتلانتيك كاونسل» في واشنطن. وفي هذا المسار «تتطور الصين من دولة التخطيط الاقتصادي المركزي إلى دولة اقتصاد السوق القائم على المنافسة، كما تشهد عملية انتقال سياسي، من حكومة الشخص إلى حكم القانون» حسب قراءته. فالمسافة الهائلة التي قطعتها الصين على طريق الرخاء والثروة والصعود، لا تقوى على مواصلتها، من خلال القوالب المعمول بها. اقتصادها تضاعف أربع مرات في العقد الأخير. حكومتها تدير حوالي 145 ألف شركة ومشروع. وضع أدّى إلى ثراء فاحش في قمة هرم الحكم ولفيفه العائلي، وأفرز تنامي الفساد والمحسوبية والفضائح، التي باتت حديث الصينيين، الذين ارتفع منسوب التأفف ورفض الفوارق في صفوفهم.

تغييرات بنيوية

وبالإضافة إلى ذلك، يرى عدد من الخبراء أن اقتصاد التصدير بلغ مداه، وصار على الصين التعويل على اقتصاد الداخل. 70 % من اقتصاد أميركا داخلي. مثل هذا التحوّل يستلزم تغييرات اقتصادية بنيوية، تردّد أن الرئيس الصيني الأسبق جيانغ زامين، دفع في اتجاهها خلال المؤتمر. فقد لعب حسب التقارير، دوراً هاماً من خلال نفوذه القوي، في تركيبة لجنة المكتب السياسي يقال إن خمسة من بين أعضائها السبعة من أنصاره. من بينهم رئيس الحزب الجديد شي جينبنغ، كي يقوى على تحقيق هذا التوجه. ويبدي الأميركيون ارتياحهم لمثل هذا الدور، وصاحبه الذي أعاد بناء الجسور مع واشنطن في أواخر الثمانينيات من موقع «تعميق العلاقات مع الغرب، ومنح المزيد من الفرص للقطاع الخاص».

لكن كما أن «النظام السياسي القائم هو في أساس النموذج الاقتصادي الصيني»، فإن تطوير هذا النموذج مرهون بتحقيق انفتاح سياسي ملائم. هنا تنتصب عقبة الدوغماتية الحزبية التي تتذرع بمعجزة الإنجازات الاقتصادية الباهرة، لكي تبرّر وحدانية الحزب في السلطة، وإمساكه بكافة مفاصل الحياة الصينية. والمعروف أن القيادات العسكرية تلتقي مع هذا التبرير، ولو من موقع التشدد القومي.

مخاض صعب

إزاء هذا المخاض، تعمل واشنطن، التي سارعت فور انتهاء الانتخابات إلى متابعة عملية التغيير الصيني، على خطين: إبداء التفاؤل الحذر، وشدّ عصب تحالفاتها الآسيوية. وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا يقوم بزيارة، هي الرابعة في أقل من سنة ونصف، على دول التحالف، تشمل أستراليا وتايلاند وكمبوديا. ثم يقوم الرئيس أوباما أواخر الجاري بزيارة آسيوية. البنتاغون يقول إن المقصود من التحالفات وزيادة القوات 2500 من المارينز إلى أستراليا، وتزويد اليابان بشبكة دفاع صاروخي مضاد، وتحويل قاذفات استراتيجية إلى آسيا، فضلاً عن وجود 320 ألف جندي أميركي في حوض الباسفيك، مع المزيد من الحضور البحري في السنوات القادمة «ليس احتواء الصين، بل تعزيز لعلاقاتنا الدفاعية مع حلفائنا». صعب تسويق مثل هذا الزعم. حتى دوائر أميركية رأت فيها رسائل استفزازية للصين، لا داعي لها، إذا كان المطلوب بناء علاقات «متوازنة» مع بكين. لا سيما أن هناك مؤشرات بأن القيادة الصينية الجديدة تميل نحو مثل هذا التوازن.