أخذ موضوع فك رموز برامج ونظم الكمبيوتر والتسلل إلى دهاليز الشبكة العنكبوتية شحنة جديدة من التأزم المتجه نحو صدامات دولية، لو بقي على وتيرته المتصاعدة الراهنة.

فقد تطور هذا النوع من الهجمات الجديدة من عمليات تلصّص يمارسها الأفراد وأحياناً الدول، لسرقة معلومات وأسرار وتقنيات، إلى عمليات تخريب تستهدف شلّ قطاعات وبنى تحتية حساسة في دول مستهدفة. وربما التسبب بكوارث من دون عنوان للمخرب العابث.

وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، وجّه أخيرا ما يشبه الإنذار المبطّن بردّ عسكري حاسم، إذا تطورت عمليات السطو الإلكتروني وعرف صاحبها. وكانت من الخطورة بحيث تنزل أضراراً وخسائر هائلة بالجهة المستهدفة.

تحذيره الأول من نوعه حمل نبرة جدّية في أعقاب عمليات التخريب الفيروسي التي تعرّضت له، أواسط الصيف الماضي، شركتا "أرامكو" النفطية السعودية -الأميركية وشركة "راسغاز" القطرية، حيث أدت إلى مسح مخزون المعلومات في عدد كبير من كمبيوترات الشركتين، ولو أنه كان بالإمكان تدارك الآثار وحصر الأضرار.

فالعمليتان شكّلتا نقلة نوعية، دفعت المسؤولين الأميركيين للبدء بوضع الخطط لمواجهة هذا التحدّي الجديد وتفكيك ألغاز سريته.

سيف ذو حدين

بدأت طلائع هذا الخطر تظهر على السطح منذ السنة الماضية. الاختراق لتقنيات برامج الحاسوب بهدف وضع اليد على كنوزه السرية، المالية والحربية والتكنولوجية وغيرها، كان حكراً على بعض العواصم المالكة للخبرات العلمية المتقدمة. وعلى رأسها أميركا ومعها إسرائيل، وإلى جانبهما روسيا والصين.

بعدما توسعت دائرته، وبدأ يقترب من الممنوعات الأميركية، دخل الكونغرس على الخطّ ومنح "بنتاغون "الصلاحية اللازمة للرد على التعديات باختراقات مماثلة لشبكات الغير. وجرى ذلك أحياناً بالشراكة مع الدولة العبرية. وذكرت تقارير في حينه أن هناك توجها لدى هذه الأخيرة " لإعداد جيل من قراصنة الفضاء الإلكتروني ،ليكونوا جيش الحروب المعاصرة ".

وبهذا انطلق سباق نشر فيروسات التخريب الحاسوبي، الذي يقول الخبراء إنه سيف بحدّين ،وقد يقود إلى أهوال مرعبة " مثل وقوع حوادث طيران غامضة ومحيّرة أو انقطاع مفاجئ غريب للتيار الكهربائي أو حصول أحداث مبهمة تتكرّر على مدى فترة غير قصيرة "، حسب ما قال الأستاذ الجامعي مايكل غلانون.

ويقر هؤلاء أن مثل هذا التخريب يبقى أقرب إلى اللغز، الذي ليس من السهل التصدّي له. وضبط فاعله بصورة جازمة عملية شديدة التعقيد. وحتى الآن لا تتوفر صمامات أمان تقود إلى هوية الجهة المخربة.

ومن جهة أخرى ليست هناك معايير دولية، حتى الآن، لتحديد مدى الأذى الذي يبرّر الردّ بالقوة العسكرية، في حال تمّ تحديد المصدر. المتداول في واشنطن، الوزير بانيتا، الذي توعّد " بحماية الشعب الأميركي في حال تعرّضه لتخريب الكتروني يتسبب بتعطيل دورة حياته"، اكتفى بالتلميح إلى أن " الفاعل هو دولة ".

لكن هذه العبارة صرف النظر عنها، لفقدان الدليل القاطع. وثمة من يقول أن الإدارة لم تعثر بعد على " خارطة طريق " للتعامل مع مثل هذا التحدّي.

أحد كبار المسؤولين نسب إليه قوله بأن بنتاغون " قطع شوطاً هاماً في التحضير لمثل هكذا طارئ في حال تعرّضنا له ". غير أن المتابعين لهذه الحرب السرية المتفاقمة لا يستخفون بالصعوبات القائمة في طريق مواجهتها ،ولا بتداعياتها فيما لو انفجرت حرباً مكشوفة ،إذا تمّ التعرف على مصدرها.

سبق خلال 2011 أن كشفت "بنتاغون" عن وصول القراصنة إلى أكثر من 24 ملفا عسكريا يتعلق بتصاميم أسلحة عسكرية حديثة كانت موجودة في كمبيوتر احدى شركات المجمع العسكري الأميركي. اختراق كبير، لم يكن بوسع واشنطن الرد عليه سوى بالتهويل بعمل عسكري.

مزيد من التفاقم

يبقى السؤال اليوم كما كان بالأمس : ضدّ من العمل العسكري ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ ويزداد ضغط هذا السؤال في ضوء ان مثل هذا التخريب سائر نحو المزيد من التفاقم. القوي يسعى من خلاله إلى تأكيد تفوقه وسطوته. الأضعف يجهد إلى الرد بوسيلة غير مكلفة وتربك الأقوى من دون القدرة على تقفي أثرها بسهولة.

لكن هذه القاعدة مرشحة للتغيير. فالمسالة أولاً وأخيراً تقنية ومرهونة بالقدرات. وهي عملية تصعيد في الحرب الجديدة، محكومة حسب الخبراء والدراسات، بالوصول إلى مدى أبعد وتهدّد بنشوب نزاعات مفتوحة على المزيد من" سيناريوات الحروب والتدمير ".