كثيراً ما توقفت الدوائر المعنية بالسياسة الخارجية في واشنطن عند مصادفة التزامن غير المسبوق في التغيير القيادي الروسي الأميركي الصيني.
بين السابع من مايو الماضي والسابع من نوفمبر المقبل، يكون قد عاد من الباب الدوّار، أو جدّد، أو جرى انتخاب رئيس جديد في العواصم الثلاث، التي تتوقف الأوضاع الدولية خلال السنوات الأربع المقبلة وإلى حدّ بعيد، على توجهاتها وسياساتها وعلاقاتها بعضها مع بعضها الآخر، كما مع الآخرين.
تخفيف التوتر
تتوزع هذه الدوائر على ثلاث مدارس. فريق يرى أن التغيير الدوري في البلدان الثلاث ولو احتفظ ببعض الوجوه، مفتوح على فرص تخفيف التوتر، بحكم حدّة التحديات الدولية الاقتصادية والجيوسياسية، التي تفرض ترجيح التعاون على التأزم.
وإن من داخل معادلة التنافس. بالنهاية، ليس من مصلحة أحد رفع منسوب التوتر أو تركه على حاله الراهنة، بعد أن تستتب الأمور للقيادات الجديدة. حينذاك تتراجع لغة المزايدة ويعود الخطاب إلى واقعيته، على اعتبار أن التناقضات لم تعد جوهرية كما كانت عليه زمن الحرب الباردة.
الثانية وهي المدرسة المحافظة، تقول إن المتحدثين عن التعقل متفائلون أكثر من اللزوم. فالروس كما الصينيون، ليسوا في وارد التراجع عن خط التشدّد في لحظة " تمارس فيها واشنطن المقصود إدارة اوباما سياسة الاعتذار والتراخي " في المجال الدولي. وبالتالي فإن العلاقات سائرة بل يجب أن تسير باتجاه لجم موسكو وبكين من خلال توظيف التفوّق الاستراتيجي حيالهما.
خاصة العسكري. المدرسة الثالثة، البراغماتية والأكثر خبرة، تميل إلى الاعتقاد بأن كله متوقف على واشنطن ومقاربتها وكيفية تعاملها مع موسكو وبكين.
وهذا مرتبط بنتائج الانتخابات الأميركية. لو جدّد أوباما، من المرجّح أن تسير العلاقات نحو الانفراج. في أسواء الحالات، تبقى السياسة الأميركية في حدود الاحتواء. لو فاز رومني ،فإن التأزم مرجّح أن يكون عنوان المرحلة المقبلة.
فالرجل محاط بفريق كبير من المستشارين في السياسة الخارجية، المحسوبين على خندق المحافظين الجدد، مثل جون بولتون السفير الأسبق لواشنطن في الأمم المتحدة ودوغلاس فاث معاون وزير الدفاع للشؤون السياسية أيام بوش الابن. وغيرهما من قادة هذا التيار. ولا يرى هؤلاء عن التشدّد مع العاصمتين بديلاً.
تشدد روسي
الرئيس بوتين، كما ترى مرجعيات أميركية، يمارس التشدّد الذي يبديه الآن في الأزمة السورية، كما في شطب اتفاقيات أمنية ومدنية مع واشنطن، من باب إعادة التموضع وتحسين الموقع، قبل أن تستقر الانتخابات الأميركية على أوباما أو رومني. مع الأول، تكون موسكو مستعدة لسياسة التسويات.
مع الثاني، تكون أخذت المبادرة في التصلّب الذي بحسابات الكرملين، من شأنه أن يحدّ من مغالاة المحافظين المتوقع أن يمسكوا بحبل السياسة الخارجية.
اعتدال صيني
الرئيس الصيني المرتقب، جينبينغ، تتوسم فيه واشنطن، أو بالأحرى الواقعية الأميركية، الاعتدال. خلفيته ومقارباته البراغماتية المعروفة، حملت معظم المتابعين للشأن الصيني في واشنطن على التحدث عن حلحلة مرتقبة في العلاقات الصينية الأميركية وانخفاض سقف التوجس بين البلدين.
لكن هذا مرهون بإعادة انتخاب أوباما. مجيء رومني، الذي لا تحبّذه بكين، يترك التوتر على حاله. وربما أكثر. مع أن هذا الأخير، لو فاز بالرئاسة، مضطر للتخلي عن خطاب " البرافادو" الانتخابي تجاه الصين.
تبقى الكرة في ملعب الرئيس الأميركي المقبل. فعلى أجندته أربع بنود رئيسية. البند الأول إعادة تحديد دور اميركا على الساحة الدولية. خاصة الشرق الأوسط، حيث استقرت سياستها في دائرة الغموض والارتباك حتى الآن. يقتضي هذا " إعادة التكيف مع مرحلة ما بعد محطتين تاريخيتين: انتهاء الحرب الباردة وهجمات 11/9 " .
حتى الآن يقول الخبراء ان واشنطن " لم تقو على اجتياز هذا الامتحان، الذي اقتضى حالة من التكيّف مع هذه المعطيات التي لم تتحقق بعد ". البند الثاني يتعلق بالحسم في اختيار واشنطن لطريقة تعاملها مع الأزمات الإقليمية والدولية: هل تقاربها لوحدها أو بالشراكة الدولية عبر الأمم المتحدة ؟ الثالث، ويتعلق بصيغة التعامل مع القوى الصاعدة. وبالتحديد الصين.
هل يكون ذلك من موقع الشراكة المتوازنة وأخذ المصالح الإقليمية بعين الاعتبار مع ترك قاعدة التفوق تأخذ مجراها، أم من موقع الحفاظ على الموقع الممتاز بجميع الطرق ؟ ورابعاً، كيفية التصدي للتحديات الأمنية الدولية، من خطر انتشار أسلحة الدمار إلى الإرهاب وطراز حروب الزمن الراهن.
وبرغم تحدياتها الخطيرة، بقيت السياسة الخارجية ثانوية في حسابات الناخبين كما في حسابات الحملة الانتخابية، رغم تخصيص مناظرة من اصل ثلاث لها. اميركا تتعاطى مع العالم من باب أنها القوة المهيمنة. وهي كذلك إلى حدّ بعيد. وعلى الأرجح ستبقى مقاربتها هذه قائمة بعد الانتخابات. لكن من دون استبعاد حصول انفراج في علاقات واشنطن موسكو بكين، خاصة لو جرى التجديد للرئيس أوباما.
