قرار موسكو الأخير المتعلق بعدم رغبتها في تجديد اتفاقيتها مع واشنطن لحماية وتفكيك بقايا أسلحة الدمار النووي والكيماوي في الجمهوريات السوفياتية السابقة، جاء ليرفع من منسوب التأزم في العلاقات الروسية الأميركية. وهي خطوة تعكس تزايد التباعد بين العاصمتين وتنامي خطّ التصلّب ،الذي يعتمده الرئيس بوتين تجاه الولايات المتحدة.

وكانت هذه الاتفاقية المعمول بها منذ عشرين سنة ،والتي ينتهي مفعولها في الربيع المقبل، بمثابة رمز التعاون بين البلدين في مجال ضبط ومنع انتشار هذه الأسلحة. كما كانت إحدى أدوات تصفية تركة الحرب الباردة. وقد أنجزت شوطاً هاماً في هذا المجال، وعلى الرغم مما تردّد عن فقدان كميات من المواد النووية ،في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، والتي جرى تهريبها من إحدى الجمهوريات إلى الخارج ،بحسب المعلومات الأميركية، فقد تم " تعطيل 7600 رأس نووي استراتيجي وإزالة مخزونات هائلة من الأسلحة الكيميائية والصواريخ ومنصات إطلاقها وغيرها من المعدات المستخدمة في هذا الميدان ". وتقول واشنطن إن فاتورة هذا البرنامج بلغت عدة مليارات من الدولارات تحمّلت هي الحصة الأكبر منها.

إمكانيات أفضل

ونسب إلى مسؤولين روس قولهم إن: " إمكانات روسيا المالية اليوم أفضل بكثير مما كانت عليه غداة انهيار الاتحاد السوفييتي، وبالتالي صارت قادرة وحدها على متابعة هذه المهمة ". وقد تقبل بمواصلة هذا البرنامج، لكن "بتمويلها وتحت إشرافها ". التبرير المالي غطاء، حسب التفسيرات الأميركية. القرار سياسي ،ويندرج في إطار تأكيد موسكو على تعامل واشنطن معها من موقع التكافؤ، الذي تستحقه كدولة ذات ثقل وحضور خاصين على المسرح الدولي. وفي هذا السياق سبق لها أن اتخذت، أخيرا، قرارات تصبّ في هذا المجرى.

 ففي سبتمبر الماضي أعلنت عن انتهاء برنامج " وكالة التطوير الدولي الأميركية " العاملة هي الأخرى في روسيا منذ عشرين سنة، في مجالات دعم منظمات حقوق الإنسان والجمعيات المدنية والصحية وهيئات المراقبة على العمل الحكومي والممارسة الانتخابية في روسيا. وهذه الوكالة ناشطة في أكثر من دولة، كإحدى أدوات الترويج لمختلف المفاهيم السائدة في الثقافة الأميركية.

يربط المراقبون هذه الخطوات بأمرين: التوجه الجديد الذي يبدو أن الرئيس بوتين قرّر اعتماده في ولايته الثانية ،تحت عنوان أن روسيا لملمت آثار الانهيار ،وعادت إلى موقع الندّية على الساحة الدولية، وبالتالي لابدّ من التخلص من جميع مظاهر العجز والحاجة إلى المساعدة في أي شأن. فلا تستقيم حرية الحركة والقرار مع وجود إشراف وتمويل ونشاط أميركي على الساحة الروسية، كائنا ما كانت مسوغاته.

هذا في الصورة الكبيرة. أما الأمر الثاني فهو يتصل بالعلاقة المتأزمة مع أميركا، سواء حول شبكة الدرع الواقي الأميركية المزمع نصبها في الجوار الأوروبي لروسيا، أو حول ما تسميه موسكو ب " هيمنة واشنطن على الدبلوماسية الدولية ". ويرى المراقبون أن إصرار الكرملين على التصدّي لكل مشاريع القرارات ،التي طرحتها أو دعمتها إدارة أوباما في مجلس الأمن ضدّ سوريا، يشكل أحد أبرز تعبيرات اعتزام روسيا على التعامل بالمثل مع واشنطن ، لكسر احتكارها لمثل هذا الدور.

خطوات لافتة

وكان من اللافت أن تأتي هذه المواقف والخطوات الروسية عشية انتخابات الرئاسة الأميركية. ومن خلالها تبعث موسكو برسائلها المبكرة إلى الإدارة المقبلة. وفي الوقت نفسه تبعث بها إلى إدارة أوباما، التي بقي خطابها الواعد من دون ترجمة. وبخاصة حول الدرع الواقية وملابساتها. لم يتم منه سوى تحقيق اتفاقية "ستارت " الثانية في 2010 للحدّ من حجم الترسانتين النوويتين وحصرها بنشر كل فريق 1550 رأساً نووياً بدءاً من 2018. باقي الأمور غرقت في مرحلة الجمود. المفاوضات حول الأسلحة الصاروخية توقفت.

ومن المقرر حتى الآن أن ينتهي " الناتو " من العمل على نشر الشبكة في عام 2020، وهي موزعة بين قواعد أرضية أوروبية وبين أخرى بحرية محمولة على بوارج متجولة. ردّت موسكو على ذلك بإعلان عزمها على نشر قواعد مضادة على حدودها المتاخمة لأوروبا الشرقية، بحيث تكون قادرة على تدمير محطات الدرع.

كذلك بقي حال التفاوض حول الأسلحة النووية التكتيكية في حدود التعبير عن النوايا الطيبة. فهناك " الآلاف منها في المسرح الأوروبي بعد الحرب الباردة" ، بحسب وزيري خارجية النرويج وبولندا. وفي التقدير أن أميركا تملك منها " ما يزيد على 200 قنبلة صغيرة قصيرة المدى، فيما تملك روسيا حوالي 2000 في المستودعات بالإضافة إلى 5500 رأس نووي تكتيكي جرت إحالتها على التقاعد ".

ثمة لعبة عض على الأصابع بين موسكو وواشنطن. في اعتقاد نخبة من الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن ، مثل زبغنيو بريجنسكي، يرون أنها جزء من لعبة تحسين المواقع لا اكثر . بالنهاية، هي محكومة بالعودة إلى البراغماتية التي سادت في اشد لحظات التأزم سابقاً مثل ازمة الصواريخ الكوبية فكيف اليوم، حيث تسود قاعدة المنافسة الخالية من العداء.