بدأت طائرة " درون " العاملة بدون طيار، تثير عددا من الاعتراضات الدولية على التوسع الأميركي في التعويل عليها لمطاردة تنظيم " القاعدة " وأفرعه. وقد تحدّ مخاطرها على الآخرين من الاعتماد المتزايد عليها، كسلاح فعّال وقليل الكلفة العسكرية والمالية. أو على الأقل، قد يتسبب قرار زجّها في ساحات جديدة بالمزيد من الرفض والتوتر والإحراجات. فهذا الطائر الآلي، بالرغم من صغر حجمه، باتت كثافة استعماله تهدّد مصالح متنوعة، على الأرض كما في الجو.

 خاصة وأن واشنطن تنظر الآن في توسيع ميدان عمله ليشمل مناطق في غرب القارة السمراء، ولم يكن يخطر على بالها أن تصلها هذه المعركة التي بدأت قبل سنوات في المناطق الحدودية الباكستانية الأفغانية. تمدّد يحمل في ثناياه مشكلة مع المجتمع الدولي. فلا واشنطن في وارد التراجع عن توظيف هذه الوسيلة، في ضوء النتائج التي حققتها من خلالها، ولا بإمكان العالم القبول بها ،كما هي عليه الآن، نظرا لما تنطوي عليه من أخطار مدنية وملاحية جوية، حسب ما كشف تقرير أخير للأمم المتحدة.

توتر وجدل محتدم

ساهم توظيف هذه الطائرة لملاحقة خلايا " القاعدة " في باكستان برفع منسوب التوتر بين واشنطن وإسلام أباد، بسبب سقوط ضحايا في صفوف المدنيين، جرّاء عملياتها. ومع تصاعد العدد والاعتراضات، انفتح الجدل في واشنطن حول عواقب التمادي في هذا النوع من القصف الجوي. أوساط مقربة من الإدارة، ذهبت إلى حدود التحذير من النتائج، سواء لناحية الانعكاس السلبي لتزايد التذمر على العلاقة مع باكستان، أو لناحية خطر انتشار هذا السلاح وما قد يؤدي إليه ذلك من تصاعد نسبة الاحتكاكات والصراعات في اكثر من مكان في العالم. لكن خيار واشنطن استقر على مواصلة العمل بهذا السلاح، على أساس جدواه، مع الوعد بمحاولة خفض أضراره المدنية قدر الإمكان. ترجمة ذلك أن العمليات مستمرة بصرف النظر عن الخسائر البشرية الأخرى. وقد تواصلت فعلاً ولا تزال.

مع تفريخ فرع ل " القاعدة " في اليمن، انتقلت الطائرة الصامتة إلى الساحة الجديدة. ثم عرجت على الصومال، لملاحقة حركة " الشباب ". قامت قواعد ال "درون" في جيبوتي واثيوبيا، لخدمة الساحتين. ساد الاعتقاد لفترة أن المثلث الأفغاني الباكستاني اليمني الصومالي صار في قبضة الطائر الصغير ،وأن نشاط المجموعات المسلحة بات تحت العين الكاشفة والمطاردة الفعالة.

انتفاضة ليبيا ثم الانقلاب في مالي، أدخلا بعداً جديداً على المعادلة. في الأولى تسلّطت الأضواء على المرتزقة الذين حاربوا إلى جانب نظام القذافي. زاد من القلق ،بعد تصفية النظام، أن كميات هائلة من أسلحة ترسانة القذافي، سقطت في أياد كثيرة غير معروفة. ثم جاء انقلاب مالي، قبل أشهر، ليضاعف القلق مع ظهور ملحوظ لقوى التطرف والعنف. ويتردّد في واشنطن أن بعض السلاح الليبي بات بحوزة هذه المجموعات. وذكرت معلومات منسوبة إلى مصادر سياسية واستخباراتية، أن الجهات المعنية في واشنطن التي اقلقها هذا الظهور، تداولت في خيار القيام بعمليات " درون " ضدّ المسلحين المتطرفين في مالي. إحدى العقبات تمثلت في أن قواعد الطائرة ،في الطرف الشرقي من القارة، بعيدة ولا بدّ من بدائل قريبة. جرى التداول بالموضوع مع دول مجاورة، خلال زيارات قام بها مسؤولون أميركيون شملت موريتانيا وجوارها.

تطوران حاسمان

أعقب ذلك تطوران: وقوع أحداث بنغازي التي أودت بحياة السفير وثلاثة دبلوماسيين أميركيين ،والتي اجمعت التقديرات على أن مجموعة محسوبة على خندق " القاعدة " كانت قد خططت لها ،وقامت بتنفيذها في اللحظة المناسبة. والتطور الثاني كان في صدور تقرير عن الجهة المعنية في الأمم المتحدة، يفيد بأن حركة ال" درون " في القرن الإفريقي كادت أن تتسبب أخيرا بحوادث اصطدام، مرتين على الأقل، مع طائرات مدنية. الأمر الذي كشف مرة اخرى عن أن هذه الطائرة سلاح بحدّين ،ولو ان البنتاغون لا تجد بديلاً عنها في الوقت الراهن.

وأفادت مصادرها ان الخطط باتت جاهزة للقيام بضربات جوية من هذا النوع ضد مجموعات المتطرفين في تلك المنطقة من إفريقيا. ويبدو من الردود التي أعقبت عملية بنغازي أن القرار في هذا الخصوص صار في حكم تحصيل حاصل، وأن صدوره مرهون بتوفر الفرصة السانحة، بحيث يصبح مجال عمل ال" درون " ممتداً من حدود باكستان أفغانستان إلى الشطر المقابل للصومال من إفريقيا.