في ظل احتدام التوتر بين تركيا وسوريا، تواصل تبادل القصف المدفعي على الحدود بين البلدين في الآونة الأخيرة، ما أثار المخاوف من حدوث تصعيد خطير للصراع في هذه المنطقة وتحول الأزمة السورية إلى نزاع إقليمي.
وفي ضوء الظروف الدقيقة الناتجة عن التوتر والصراع المسلح داخل سوريا، يرى المحللون السياسيون الصينيون أن تدهور الصراع بين تركيا وسوريا قد يجعل المنطقة على شفا كارثة محققة من المحتمل أن يستثمرها الغرب لصالحه، غير أنهم يستبعدون احتمال أن تقدم تركيا على شن هجمات واسعة أو حتى شن حرب ضد سوريا.
-- قراءة للتحركات التركية
وباتت العلاقات بين تركيا وسوريا تقف الآن على أعتاب مرحلة جديدة تتضمن الكثير من عوامل الصدام بعد سنوات من التطور الإيجابي في مسيرة هذه العلاقات وبلوغها مستوى متقدم نسبيا بفضل الزيارات المتكررة بين القيادة التركية والسورية. ولكن بعد اندلاع الأزمة السورية، دب التوتر في أوصال العلاقات بين البلدين.
ويعتقد المحلل السياسي تيان ون لين المتخصص في سياسات الشرق الأوسط بالمعهد الصيني للعلاقات الدولية الحديثة أن تركيا بدأت في انتهاج سياسة جديدة تجاه منطقة الشرق الأوسط دفعتها إلى القيام بتلك التحركات العسكرية الأخيرة. ويقول إن "هناك ثمة فرصة كبيرة أمام تركيا منذ اندلاع "ثورات الربيع العربي" في عام 2011 لتمضى قدما في سعيها الحثيث إلى الاضطلاع بدور أكبر على المسرح العالمي، لذا شرعت في إدخال تغيير على سياساتها تجاه الشرق الأوسط ودخلت على خط الدعوة إلى تغيير النظام السوري".
فمنذ بدء الأزمة السورية قبل نحو 18 شهرا، بذلت تركيا جهودا في الدفع من أجل تغيير النظام السوري، حيث اقترحت على الرئيس السوري بشار الأسد التخلي الطوعي عن السلطة. وعلاوة على ذلك عملت على توفير الدعم للمعارضة السورية واستضافت مؤتمر أصدقاء سوريا مرتين مع إجراء تنسيق تام مع الإدارة الأمريكية بخصوص الأزمة.
ويضيف تيان أن "احتضان تركيا للمعارضة السورية مكن المعارضة من العمل بنشاط على الصعيدين العسكري والسياسي.وشجعها على مواصلة رفض الدخول في مفاوضات مع الحكومة، الأمر الذي يدفع سوريا إلى الانزلاق في براثن حرب أهلية ويدفع بعدد كبير من السوريين إلى النزوح عن ديارهم وفرارهم إلى تركيا جراء الوضع المتأزم داخل البلاد".
ووفقا للأرقام الرسمية، يقترب عدد اللاجئين السوريين من 100 ألف لاجئ ، فيما يعيش ما يتراوح بين 20 و 30 ألف لاجئ سوري آخر على نفقتهم الخاصة دون تسجيلات رسمية في معسكرات أقامتها السلطات التركية خصيصا لهم.
ونشرت بعض وسائل الإعلام العربية تحليلات للوضع على الحدود التركية-السورية تقول فيها إن هناك احتمالا في أن تكون قوات المعارضة هي من أطلق القذائف على تركيا بغية إثارة الصراعات في المنطقة الحدودية،لأنها تعتقد أن الحكومة ستنشر قواتها على الحدود تحت ضغوط تركية، ما قد يؤثر على المعارضة في المعركة الدائرة على الأرض.
-- اندلاع حرب قد يفضى إلى كارثة
ويعتقد المحللون الصينيون أن الحرب قد لا تشتغل بالضرورة بين البلدين في الوقت الراهن، إذ تركيا تواجه من ناحية ضغوطا داخلية مناهضة للحرب مع سوريا حيث قام الأتراك بمظاهرات حاشدة تطالب أردوغان بتغليب لغة السلام ، وتواجه سوريا من ناحية أخرى مشكلات داخلية عدة. ولكن القضية السورية معقدة للغاية وتحمل في طياتها متغيرات كثيرة، ولا يزال احتمال وقوع مواجهات واسعة النطاق قائما.
ولفت المحللون إلى أنه إذا نشبت حرب بين سوريا وتركيا، فسوف سيعم التوتر والفوضى المنطقة بأسرها وتتزايد أعداد النازحين السوريين على الحدود، ما قد يُنبئ بوقوع كارثة إنسانية ضخمة. وفي حال تفاقم الوضع في سوريا، ستكثف المجموعات الإرهابية عملياتها، ومن ثم قد ينتهز الأكراد، من الدول المجاورة بما فيها سوريا والعراق وإيران ولبنان، هذه الفرصة للدفع من أجل إقامة دولة خاصة بهم.
وفي سياق ما آل إليه الوضع حاليا على الحدود التركية-السورية، قال تيان إنه من المحتمل أن يكون لذلك تداعيات على صعيدين، أولهما الخارجي، إذ قد تتدخل إيران وحزب الله اللبناني ويتطور الصراع الداخلي إلى حرب إقليمية. وثانيهما الداخلي، إذ قد تزداد حدة المواجهات بين الجيش السوري والمعارضة في مناطق عدة بسوريا ومن بينها مدينة حلب.
وأشار تيان إلى أن الحكومة السورية تواجه قطعا ضغوطا عسكرية ودبلوماسية من قبل تركيا، فيما يخوض الجيش السوري معركة مع المعارضة على الأرض. ومن هنا يمكن أن تخف الضغوط العسكرية التي يمارسها الجيش السوري على قوات المعارضة، وبالتالي تحصل المعارضة، الدفاعية الآن في قتالها مع الجيش، على متنفس للراحة وفرصة مناسبة لشن هجوم مضاد.
-- الغرب يسعى لاغتنام الفرصة
وعلى الصعيد الدولي، يعتقد تشوي شينغ رئيس معهد الصين للدراسات الأجنبية أن الدول الغربية تقف وراء تركيا في مسعى لاغتنام فرصة التوتر على الحدود التركية-السورية لصالحها.
غير أن القضية السورية لم تدرج على جدول أعمال مؤتمر وزراء الناتو الذي عقد يوم الثلاثاء الماضي، ومع ذلك ترى وسائل الإعلام أنها كانت "في عقل كل مشارك في هذا المؤتمر". وربما يخلق التوتر على الحدود التركية-السورية فرصة وذريعة جديدة للغرب من أجل تكثيف تدخله في القضية السورية.
ويرى تشوي أن الدول الغربية تخلت أساسا عن فكرة استخدام القوة للإطاحة بنظام الأسد، وتحولت إلى "نموذج شن حرب بالوكالة" عن طريق دعم المعارضة السورية، بالإضافة إلى فرض عقوبات شاملة على سوريا. ويقول إن تركيا ربما تقدح زناد حرب بقيادة حلف الناتو ضد سوريا، إذ انه نظرا لكون تركيا عضو بالحلف، تتحمل الدول الغربية التزامات أمنية تجاهها.
وما يدل على ذلك أن الأمين العام للناتو أندرس فوج راسموسن صرح قبل اجتماع لوزراء دفاع الناتو عقد في بروكسل يوم الثلاثاء الماضي بأن الحلف العسكري لديه "كل الخطط الضرورية الجاهزة" للدفاع عن تركيا إذا ما اقتضت الضرورة"، مضيفا أن "تركيا لديها الحق في الدفاع عن نفسها بموجب القانون الدولي، ويمكنها الاعتماد على تضامن الناتو معها".
ويضيف شيوي انه إذا ما تدهور الوضع في المنطقة الحدودية بين البلدين، قد ينتهز الغرب هذه الفرصة للتدخل لفرض "منطقة حظر طيران" فوق سوريا أو إجبار سوريا على فتح "منطقة أمنية"، ما قد يتيح للمعارضة السورية فرصة توسيع أنشطتها ويعرقل عمليات الجيش السوري.
ويعتقد تشوي أن تصعيد الصراع بين تركيا وسوريا سيفضى بدوره إلى اضطرابات قد تستمر لأمد بعيد في منطقة الشرق الأوسط، وأن الحل السياسي للأزمة السورية يحمل على ما يبدو حاليا آفاقا قاتمة، غير انه لا يزال هناك بصيص أمل في تسوية الأزمة من خلال جهود مبعوث الأمم العربية والجامعة العربية الخاص إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، ولا تزال هناك إرادة قوية من جانب المجتمع الدولي في إيجاد حل دبلوماسي للقضية السورية. وفي مثل هذه اللحظة الحاسمة، ينبغي على الجانبين التزام الهدوء وممارسة أقصى قدر من ضبط النفس لصالح الشعب السوري وجميع شعوب المنطقة.
