سلّطت الأضواء في واشنطن، أخيرا، بصورة ملحوظة على قضايا الأمن القومي الأميركي، لناحية مواجهة مختلف التحديات الخارجية المحتملة أو التي قد تهدّد الداخل، خلال الخمس سنوات المقبلة، مع ما تتطلبه من مقاربة جديدة في التخطيط، كما في حجم وقدرات القوة العسكرية اللازمة لمواجهتها. وتقوم البنتاغون بمثل هذه المراجعة بعد نيف وعقد من الزمن على هجمات 11/9، في ضوء خلاصات حربي العراق وأفغانستان. كما في ضوء التطورات التي توالت منذ ذلك الحين، سواء في المنطقة مثل أزمة النووي الإيراني ومجريات "الربيع العربي"، أو في غيرها من البؤر التي ارتفع فيها منسوب التوتر، مثل منطقة بحر جنوب الصين.
سجال محتدم
وتجدّد، في هذا السياق، السجال حول مدى فعالية شبكة "الدرع الواقية" في وضعها الراهن، والتي أثارت الكثير من الجدل منذ انطلاق فكرتها ايام الرئيس ريغان في ثمانينات القرن الماضي. كما كان من اللافت أن تصدر تقارير في هذا الوقت بالذات، ولو بطريق الصدفة، عن وضع الترسانة النووية الأميركية وحالة التقادم الزمني التي تعيشها، وبالتالي حاجتها الماسة إلى "التحديث" الذي مضى على استحقاقه قرابة عشرين سنة، خاصة وأن هذا يأتي في وقت الضيق المالي، الذي استوجب بمقتضاه خفض موازنة البنتاغون بحوالي تريليون دولار على مدى عشر سنوات.
حسبما أفادت معلومات مسرّبة، قامت البنتاغون، وللمرة الثالثة هذا العام، بعقد ما يشبه ندوات استراتيجية مطولة وغير مسبوقة لقيادات قواتها المختلفة، تمّ خلالها استعراض سيناريوهات لعدة أزمات محتملة من الآن وحتى عام 2017، وما تستلزمه من ترتيبات عسكرية للتصدي لها. يشير ذلك إلى ترجيح كفة وقوع أزمات كبرى، خلال هذه الفترة. كما يشير إلى أن أساليب التعامل المتوارثة مع هذه الحالات لم تعد ملائمة، لأن المشكلات الجديدة بعد 11/9 "تمثل نقطة انعطاف استراتيجي فرضت على المؤسسة العسكرية القيام بعملية مراجعة للذات"، لجهة بناء قوة تناسب المستجدات، على ما قاله رئيس هيئة الأركان الجنرال مارتن دامبسي.
وكان قد تردّد كلام عن مثل هذه الحاجة، في سياق ردود الفعل على التعاطي مع تحديات معينة في الآونة الأخيرة. لكن هذه المرة رفع البنتاغون نتيجة مداولاته إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبدأ العمل بموجبها لإعادة صياغة التخطيط العسكري حيال عدد من الساحات المعادية، كما بخصوص وقوع هجمات غير مستبعدة فوق الساحة الأميركية نفسها، "التي لم تعد بعد الآن الملاذ الآمن الذي كانته في السابق"، كما يرى دامبسي.
وسط هذه الأجواء رفع مجلس الأبحاث التابع لأكاديمية العلوم الوطنية تقريره حول مدى جدارة شبكة الدرع الصاروخية، التي رأى أنها غير كافية لرد ضربات بعض أنواع الصواريخ المتطورة الطويلة المدى. فهي تشكو من "القصور والهشاشة".
والمعروف أن هذا المشروع الذي كان منذ البداية مدار جدل وشكوك حول جدارته، قد تجاوزت كلفته 200 مليار دولار. خلاصة جاءت متضاربة مع التوجه الذي قرره أوباما عام 2009 ببناء "شبكة أقوى وأذكى وأسرع" من تلك التي كانت إدارة سلفه بوش قد طرحتها. خبر لا بدّ انه لاقى الارتياح في موسكو. كما يمكن أن يساعد الرئيس لو فاز بالتجديد، على إبداء المرونة التي وعد الروس بها في هذا الخصوص وإبعادها عن حدودهم.
انتقاد الترسانة الأميركية
وعلى هامش التداول بهذه الملفات الكبيرة، تجدّد التصويب نحو وضع الترسانة النووية الأميركية، المستوجبة للتحديث بتقادم الزمن عليها. عملية باتت كلفتها، بعد فوات موعدها بعشرين سنة، أكثر من 350 مليار دولار، على امتداد عشر سنوات، وفق الخبراء. يشمل ذلك صيانة 5113 رأسا نوويا ــ 1500 فقط جاهزة حسب اتفاقية ستارت الأخيرة والباقي في المستودعات. كما يشمل تحديث الصواريخ الحاملة لهذه الرؤوس والقاذفات والغواصات والمنشآت الرئيسية المتهالكة لمختبر لوس ألاموس الرئيسي في ولاية نيو مكسيكو، حسب جريدة "واشنطن بوست"، التي قامت بكشف ميداني سمحت به السلطات لأول مرة.
بلغة المعادلات والموازين، ما زالت أميركا، وحتى إشعار آخر، القوة العسكرية الأعتى في العالم. لكنها قوة عليها قيود ولها محدوديتها، التي اعترف بها صاحبها. صعوبة المواجهات وكلفتها العالية، فرضت التحفظ والحذر. لغة عرض العضلات لم تعد مسموعة عموماً، في أميركا التي اكتوت بنار الحروب الأخيرة. تلميحات ومواقف وتصريحات المعنيين في البيت الأبيض أو البنتاغون، تؤشر إلى نزوع نحو الانكفاء الآني عن خيار القوة التقليدية، في الخارج. البديل المرجح أن تكون مراجعة البنتاغون قد بلورته هو "العمل من بعيد".
