يتابع الكثير من الروس عن كثب الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة الحالية. ويعود هذا الاهتمام الكبير بالانتخابات هذه إلى أنّ الولايات المتّحدة الأميركية، ربما لا تزال البلد الوحيد الذي تولي روسيا أهميّة لرأيه بشكل فعلي.
يمكن القول إنّ الروس قد ضاقوا ذرعاً بالانتخابات الرئاسية الروسية. فقد مرّوا بحملة انتخابية رئاسية حظيت بتغطية إعلامية مكثّفة في بداية العام – حملة رافقتها خطابات سياسية حادّة وأحياناً كثيرة بذيئة، تبعتها سلسلة من التحركات الاحتجاجية التي نظّمتها المعارَضة – لكن الأمر الأكيد هو أنّ المواطنين الروس يمكنهم العيش بهدوء في السنوات القليلة المقبلة.
من الطبيعي أن تكون درجة اهتمام الروس بالانتخابات الرئاسية التي تجري في بلدان أخرى أقلّ حدّة. من يبالي؟ ومع ذلك فمن المؤكد أنّ الكثير من الروس يتابعون عن كثب الانتخابات الرئاسية الحالية التي تجري في الولايات المتحدة الأميركية، وهو حدث يبعد 9 أسابيع فقط عن اللحظة الحاسمة. هذه المتابعة الشديدة للروس تستمدّ جذورها بعمق من الاهتمام بكلّ ما هو أميركي، حتى أنّها قد تصل أحياناً إلى حدود "الوسواس"، إضافة إلى أنّ الولايات المتّحدة الأميركية ربما تكون البلد الوحيد الذي تولي روسيا أهميّة لرأيه بشكل فعلي – سواء أكان الروس مستعدين بأنفسهم للاعتراف بذلك أم لا. فمِنَ المستحيل أن تَفترض أنّ هناك مواطناً روسياً لا يعرف اسم الرئيس الأميركي.
لِمَن سيصوّت الروس إذن في الانتخابات الرئاسية الأميركية في حال سنحت لهم الفرصة بذلك؟ هل للرئيس الديمقراطي الحالي باراك أوباما، أو لمنافسه الجمهوري ميت رومني الحاكم السابق لولاية ماساشوستس؟
سؤال يصعب الإجابة عنه. بالنسبة إلى المقترعين الجدد، فإنّ الخيارات الانتخابية للروس المقيمين في الولايات المتّحدة الأميركية تبدو بعيدة كلّ البعد عن الوضوح. وبالعودة إلى الثمانينيّات والتسعينيّات، كان هناك إجماع على أنّ الأميركيّين من أصل روسي اقترعوا بأغلبية ساحقة لصالح الجمهوريّين. وكان التفسير آنذاك، أنّ الروس، ولأنّهم "محافظون" فعلياً، ينحازون أكثر إلى الآراء الاقتصادية والاجتماعية المحافظة للحزب الجمهوري. بالنسبة إلى اللاجئين السياسيّين من الاتحاد السوفياتي، فقد كانوا يعشقون الرئيس الجمهوري رونالد ريغان إلى حدّ العبادة، حيث كانوا يعتبرون أنّ الفضل يعود إليه في الضغط على القادة الروس للسماح بالهجرة اليهودية. وقد حوّل الأميركيّون من أصل روسي، بعد حصولهم على حقّ التصويت، شغفهم بالرئيس رونالد ريغان إلى خلفه الرئيس جورج بوش الأب، الذين دعموه ككتلة في انتخابات العامين 1988 و1992. أو على الأقلّ هذا ما يُحكى.
لكن تغيّراً كبيراً حصل منذ ذلك الوقت. ففي السنوات التي تتالت، أتى العشرات من الروس إلى الولايات المتحدة الأميركية ليس كلاجئين سياسيّين، إنّما كعمّال مهرة، حاملين معهم آراء اجتماعية وسياسية متنوّعة. وبالنسبة إلى اللاجئين المعمّرين الذي أتوا إلى الولايات المتّحدة الأميركية في الثمانينيّات والتسعينيّات فقد غدوا أكثر اعتماداً على برامج الدولة، مثل الضمان الاجتماعي والعناية الطبية، وهم يشعرون أنهم أكثر تقديراً لبعض السياسات المرتبطة تقليدياً بالحزب الديمقراطي. أمر واحد واضح: هذه الأيام، ما من مرشح جمهوري للانتخابات الرئاسية يمكنه أن يعتبر أن "التصويت الروسي" أمر مسلّم به. فمن المصادفة القوية أنّ الولايات التي يسكنها بأغلبها المقترعون الأميركيون من أصل روسي – وهي كاليفورنيا وماساشوستس ونيويورك – لا تزال معاقل الديمقراطيّين الصلبة.
لكن ماذا بالنسبة إلى الروس الذين يعيشون في روسيا والذي ليسوا ضليعين بتعقيدات السياسة الأميركية المحلية، والذين ينظرون إلى السياسيّين الأميركيّين من وجهات نظرهم الشخصية؟
عاملٌ أوّل قد يلعب بشدّة ضدّ أوباما في عيون "المقترعين" الروس، و هو أصله العرقي. ليس سراً أنّ عدداً كبيراً مقلقاً من الروس يحتفظ برأي سلبي، يصل إلى حدّ السخرية، تجاه أوباما، لكونه أميركياً من أصل أفريقي، وهو شعور لمسته بنفسي مباشرةً خلال رحلاتي الأخيرة إلى روسيا. من جهة أخرى، يبدو أنّ الروس يفضّلون الشخصيات المعروفة على تلك المغمورة، ومن الواضح أنّ ليس لديهم أيّ مشكلة مع السياسيّين الذين كانوا على الدوام في الخدمة العامة. وانطلاقاً من وجهة النظر هذه، قد يُتوقع مِن روسيّين كُثر أن يقترعوا لصالح أوباما، تماماً لأنّهم اعتادوا عليه ويعرفون "ما يمكن توقّعه". وإلى جانب ذلك، وهو الأهمّ، يبدو أنّ الروس يعتبرون سياسات أوباما إزاء روسيا ودية عموماً. وإلاّ فمن الصعب تفسير ارتفاع الموقف الإيجابي، وإلى حدّ كبير، إزاء أميركا الذي يعبّر عنه الروس في مختلف استطلاعات الرأي العامة،والتي أجريت منذ أن خلف أوباما جورج دابليو بوش في العام 2009.
عاملٌ آخر قد يساعد أوباما في استمالة الناخبين الروس، وهو موقف منافسه الجمهوري ميت رومني المعادي بشدّة للروس. فقد ولّت الأيام التي كان فيها النقّاد الروس يشيدون بالمناظرات "الواقعية" للمرشحين عن الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية حول الحدّ من الأسلحة وحقوق الإنسان. ليس هناك من شيء "واقعي" في الطريقة التي يرى فيها رومني مستقبل العلاقات الأميركية-الروسية: فقد وصف روسيا بـ "العدو الجيوسياسي الأول" للولايات المتّحدة الأميركية، واصفاً الاتفاق الأميركي الروسي حول معاهدة نزع السلاح النووي الثنائية الجديدة بـ"أسوأ خطأ" يرتكبه أوباما "في السياسة الخارجية". وفي خطاب قبول الترشيح الذي ألقاه في المؤتمر الوطني الديمقراطي في ولاية فلوريدا، تعهّد رومني بزيادة الضغوط على روسيا حول مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان. فيما عدد المواطنين في روسيا، الذين يخمّنون بأن أضراراً بالغة ستلحق العلاقات الروسية- الأميركية في عهد الرئيس رومني، ليس ذات أهمية.
لذا، نسأل مرة جديدة، لِمَن سيقترع الروس في الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ نأمل أن تطرح إحدى وكالات استطلاعات الرأي، مثل مركز ليفادا، هذا السؤال في أحد الاستطلاعات المقبلة. لكن في غضون ذلك، سأقوم بتخمين واسع: من 60 إلى 40 في المائة لصالح أوباما. لكن لا تدعوا فلاديمير شوروف، رئيس لجنة الانتخابات المركزية الروسية، يفرز الأصوات!
