أكدت وزارة الداخلية الليبية يوم الأربعاء مقتل سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا كريس ستيفنز وثلاثة من موظفي السفارة على خلفية تظاهرات مناهضة لواشنطن في مدينة بنغازي مساء الثلاثاء والتي تزامنت مع تظاهرات مماثلة أمام السفارة الأمريكية بالعاصمة المصرية القاهرة، فيما أدان الرئيس الأمريكي باراك أوباما بقوة الهجوم الذي أدى إلى مقتل الدبلوماسيين الأمريكيين في ليبيا.
ونقلت شبكة ((سي أن أن)) الإخبارية الأمريكية عن سجلات لوزارة الخارجية الأمريكية أن ستيفنز يعد أول سفير أمريكي يلقى مصرعه أثناء أداء مهامه منذ عام 1979.
ومهما كانت هوية منفذي الهجوم، يعد مقتل الدبلوماسيين الأمريكيين حادثا مأساويا بالنسبة للولايات المتحدة حكومة وشعبا. وقد أدان المجتمع الدولي بشدة أيضا هذا العمل العنيف، إذ لا يجب أن يصبح الدبلوماسيون- مهما كانت الدولة التي يمثلونها- ضحايا لمثل هذه الأعمال العنيفة.
وفي هذا السياق، وصفت شبكة ((سي أن أن)) الحادث في أحد برامجها بأنه "لحظة حاسمة في السياسة الخارجية الأمريكية".
وقال ديفيد كينير، نائب رئيس تحرير مجلة ((فورين بوليسي)) الأمريكية في تعليق له نشر على الموقع الإلكتروني للمجلة، قال "إن دبلوماسيا أمريكيا قتل على أيدي سكان مدينة بنغازي بعد شهور فقط من مساعدته لهم في تحرير المدينة الليبية، إنه حادث مأساوي يثير السخرية".
ويحق للولايات المتحدة حكومة وشعبا الشعور بالغضب والصدمة إزاء مقتل دبلوماسيين أمريكيين في بنغازي. ولكن بعدما تستعيد واشنطن توازنها، ينبغي لها أن تعيد النظر في سياستها الخارجية، خاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط.
وظاهريا، يبدو أن السبب وراء التظاهرات والهجوم العنيف يتمثل في فيلم يعرض بالولايات المتحدة ويعتبر مسيئا لنبي الإسلام محمد. وربما تنتشر الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة في دول إسلامية أخرى. بيد أن هناك سببا جذريا وراء الحادث يكمن في عيوب ضخمة بالسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
فقبل عام واحد، أصرت الدول الأعضاء بحلف شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة على إسقاط نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي بالقوة العسكرية بغض النظر عن معارضة كثير من دول العالم. وكان سياسيون ومحللون كثيرون قد حذروا حينئذ من أن التناقضات الداخلية في ليبيا تعد مزمنة ومعقدة بالإضافة إلى الاختلاف الكبير بين رؤى القوى السياسية في هذا البلد. وقال البعض آنذاك إن إسقاط نظام القذافي بالقوة الخارجية لن يجلب للبلاد الاستقرار والأمن. وبالفعل، وضعت التغيرات السياسية الكبيرة، التي دفعتها القوة الخارجية، في ليبيا بذورا للاضطرابات المستمرة بهذا البلد.
ويعكس مقتل السفير الأمريكي في مدينة بنغازي، التي كانت معقلا للمعارضين الليبيين السابقين، يعكس ضعف الاستقرار والتناقضات والنزاعات الشديدة داخل البلد الواقع بشمال أفريقيا. كما يدل الحادث على أن كثيرين ممن ساعدتهم الولايات المتحدة على "تحرير ليبيا من نظام القذافي" لم يكمنوا مشاعر الامتنان لواشنطن وحلفائها كما توقعوا.
وتسعى الولايات المتحدة منذ زمن طويل إلى تطبيق ما تصفها بـ"الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير"، وذلك بأساليب مختلفة تشمل التدخل العسكري. غير أنها في الحقيقة تهدف بسياستها تجاه الشرق الأوسط إلى حماية مصالحها الإستراتيجية ونفوذها في المنطقة. ونجد أن الانحياز والازدواجية والتناقض في سياسة واشنطن الخارجية تجاه الشرق الأوسط موجودة في كل مكان.
وفضلا عن هذا، تشير الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة وأعمال العنف التي وقعت في ليبيا ومصر مؤخرا إلى أن لجوء الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري في تطبيق أهداف سياساتها الخارجية، لن يجلب إلا الآثار السلبية الكبيرة.
وإذا أخذنا العراق وأفغانستان كمثال، نجد أن الحربين اللتين قادتهما الولايات المتحدة هناك أوقعتا شعبي البلدين في معاناة كبيرة، كما كلفتا الولايات المتحدة نفسها ثمنا باهظا وخسائر فادحة.
والآن، تحاول الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى مجددا إسقاط النظام السوري بالقوة بغض النظر عن معارضة آخرين. وتقدم واشنطن دعما مختلفا للمعارضة السورية علنا وسرا. كما تفكر الولايات المتحدة وبعض الدول في إقامة منطقة حظر طيران فوق الأجواء السورية، بل ويطالب بعض الساسة الأمريكيين صراحة بالتدخل العسكري المباشر والواسع النطاق في البلد العربي.
ولكن بعد وقوع أعمال العنف هذه في تلك البلدان، حان الوقت لأن تعيد الولايات المتحدة النظر في سياستها تجاه الشرق الأوسط وتوقف التدخل العسكري في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.