من البداية، تبادلت واشنطن أوباما وموسكو ميدفيديف بوتين، الإشارات المبطّنة حول الرغبة في إزالة تركة بوش بشأن العلاقات بين البلدين. مشاريع توسيع " الناتو " وتحديد مواقع قريبة من تخوم روسيا لنصب شبكة الصواريخ المضادة والتي مضى بها سلف الرئيس أوباما، زرعت التوجس والارتياب في موسكو. زادت من شكوك الكرملين ضبابية أوباما بخصوص تغيير مكان الشبكة، تحت تأثير هجوم اليمين الجمهوري على سياسته الروسية. بعض الخطاب الأميركي وإلى حدّ ما الروسي لم يخرج بعد من ذهنية الحرب الباردة.

تصريحات رومني الأخيرة خير مثال. أوباما أدرك مبكراً أنه حان وقت مغادرة هذه الثقافة. لكنه بقي، تحت ضغوط الحسابات الانتخابية؛ غامضاً في التطبيق. بل متراجعاً. تردّد من جهة ومعاندة الكبرياء المجروحة من جهة أخرى، أدّى إلى توترات في العلاقات. كانت ذروتها أخيرا في الخلاف حول الأزمة السورية، التي أخذت موسكو منها موقفاً متشدّداً؛ كان واضحاً أنه جاء من باب تأكيد روسيا لعودتها كثقل دولي لا يمكن تجاهله وتصفية لجزء من الحساب.

استعداد للتغيير

الأسبوع الماضي في قمة " التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسفيكي " ايبك في مدينة فلاديفوستوك الروسية، كشفت الوزيرة كلينتون من خلال اللقاءات والمبادرات مع الجانب الروسي، عن خطوات توحي باستعداد الجانبين لإنهاء دورة المناكفة والاختبار والدخول في مسار جديد يفتتح مرحلة من التعاون الذي يحتاجه كل منهما. فقد تعهدت في كلمتها بإزالة العقوبات التجارية الأميركية المفروضة على موسكو منذ أيام الحرب الباردة " بأسرع وقت ". وربما قبل الانتخابات لو وافق الكونغرس. خاصة تلك التي تعود إلى بداية السبعينات من القرن الماضي، والتي كانت تمنع منح التسهيلات التجارية للاتحاد السوفييتي آنذاك، بزعم أنه لا يعتمد اقتصاد السوق. ولكن فعلاً كان سبب المنع معاقبة موسكو بسبب سياستها المضادة لهجرة اليهود إلى إسرائيل.

كما أعربت الوزيرة الأميركية عن ترحيبها بدخول روسيا الشهر الماضي كعضو في منظمة التجارة الدولية، والذي من شأنه رفع الحواجز والقيود أمام الاستيراد والتصدير مع السوق الروسية. عضوية طالما كانت روسيا تتطلع إليها وعملت واشنطن على سدّ الأبواب بوجهها. وكان ذلك أحد أسباب التوتر بينهما، إلى جانب رفض الولايات المتحدة تصدير التكنولوجيا الحديثة إلى روسيا.

الإدارة تقول إن رفع العقوبات صار مصلحة أميركية بعد انضمام روسيا إلى منظمة التجارة الدولية، كونه يزيل التعرفة الجمركية الروسية العالية على المنتجات الأميركية. لكن هذا الانضمام حصل بعد رفع الفيتو الأميركي من طريقه، لدواع استراتيجية وليس محض اقتصادية، هي متواضعة أصلاً. وها هي الوزيرة كلينتون تؤكد في حديثها بعد القمة على أهمية ما تحقق في العلاقة مع موسكو والذي وضعته في خانة " إعادة ترتيب " السياسة الأميركية تجاه روسيا. تأكيد واضح على أولوية الملفات الثنائية على ما عداها. ومنها الأزمة السورية على الرغم من ضجيج الخلاف الحاد بينهما بخصوصها.

رواسب الحرب الباردة

بقيت العلاقات الأميركية مع روسيا محكومة بكثير من رواسب الحرب الباردة، برغم مرور عقدين على نهايتها. الإدارات المتعاقبة لم تقوَ على الخروج ولو بالتدريج، من هذه التركة. عجزت أو رفضت مغادرتها، إما لأنها وقعت في أسر عقلية الاستئثار والتفرد والهيمنة؛ وإما لأن الكونغرس بغالبيته عرقل أي توجّه للتعامل مع موسكو بصورة تعيد وضعها في كفة الدولة الوازنة. اتفاقية الحد من الأسلحة النووية عام 2010، انتزع أوباما موافقة الكونغرس عليها بشق النفس.

وما كان ليقوى على ذلك لولا وقوف جميع الجهات المؤثرة في شؤون السياسة الخارجية. ومنها مرجعيات في الحزب الجمهوري مثل كيسنجر والوزير جيمس باكر وغيرهما. هذه الأوساط دعت باستمرار إلى ضرورة تصحيح العلاقات مع روسيا، على قاعدة أن "بوتين رجل شديد الولاء لوطنه لكنه ليس معادياً للغرب" كما قال كيسنغر؛ وأنه يجب في النهاية التعامل مع موسكو لتكون جزءا من أوروبا، ولأن التعاون معها ضروري، كما يرى زبغنيو بريجنسكي.

 أوباما من هذا السرب، لكنه قضى أربع سنوات يحوم حول هذا التوجه من غير أن يقتحم ساحته، خوفاً من ردود فعل اليمين المحافظ. الآن يبدو انه يتأهب لتصحيح العلاقة مع روسيا. الإشارات من واشنطن وموسكو تصبّ في هذا الاتجاه، في مايو الماضي وعد أوباما ميدفيديف "بمرونة أكثر" تجاه مطالب موسكو، بعد الانتخابات. قبل أيام قال بوتين في مقابلة ان "أوباما رجل صادق جدّاً". المسرح جاهز للمقايضة إذا جدّدت أميركا لرئيسها، نقلة قد تنعكس بصورة إيجابية على أزمات منطقتنا.