عادة ما يعزى ضعف حضور السياسة الخارجية في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية إلى أمرين: الأول، أن الناخب يقرّر ويقترع في ضوء أحواله الاقتصادية. فهي الأساس في اختياره ،وليس ما يجري خارج حدود بلاده. الثاني، أن الرؤساء من الحزبين، ينضبطون عموماً ضمن السياق العام لهذه السياسة ،الذي تحكمه مصالح أميركية واحدة في العالم، وبالتالي لا تمايز هام بين توجهاتهم، في هذا الميدان. وهذا صحيح إلى حدّ بعيد تاريخياً.
ومن الطبيعي أن تنطبق هذه القاعدة على انتخابات 2012 ،التي دخلت قبل أيام شوطها الأخير الحاسم. ذلك أن الأزمة الاقتصادية متعددة الجوانب المتوالية تداعياتها منذ 2008، غير مسبوقة بحدّتها منذ ثلاثينات القرن الماضي. وهي بالتأكيد ستلقي بظلالها وتكون العامل المقرر في المقارنة بين أوباما ورومني وما بينهما من فوارق في مقاربة التحديات الداخلية ومعالجاتها. او بالأحرى بين مقاربة أوباما وبين محاولة تسخيفها من جانب خصومه.
تفجر مفتوح
لكن ما من مرة أيضاً ،ومنذ نهاية الحرب الباردة، كانت الأزمات في أكثر من ساحة دولية على ما هي عليه اليوم من تفجّر مفتوح على أهوال مخيفة. خاصة في الشرق الأوسط. ولا كانت الفوارق بين المرشحين على ما هي عليه الآن من تباين خطير، إزاء الساحات المتفجرة أو المرشحة للالتهاب. مع ذلك بقيت هذه الفوارق خارج خطاب الحملة الانتخابية، مع كل ما ينطوي عليه هذا التغييب من مخاطر. خاصة لو فاز رومني.
الملفات الخطيرة متعدّدة. تمتدّ رقعتها من منطقتنا إلى المسرح الأوروبي الشرقي المكان المرجح لنصب شبكة الصواريخ الأميركية المضادة وانتهاء ببحر الصين الجنوبي. زحمة قضايا ونزاعات معقّدة تنضح باحتمالات التصعيد، في لحظة انتقالية دولية هشّة. وكلها موضع خلاف عميق بين رومني وأوباما ومجمدة بانتظار مرور الاستحقاق الرئاسي. بداية من ملف المفاوضات مع موسكو بشأن خفض الترسانة النووية، مروراً بمشروع الانسحاب من أفغانستان وانتهاء بمعالجة النووي الإيراني والموقف من الأزمة السورية.
فضلاً عن " عملية السلام " المعلقة، بالأحرى المتآكلة. لكل من المرشحين رؤيته المعروفة وسياسته الموعودة تجاه هذه القضايا المفخخة والواقف بعضها على عتبة الحرب. ففيما يدفع أوباما بسياسة الاحتواء حيالها، يلوّح رومني بسياسة التشدّد والتخلي عن المرونة في التعاطي معها. بل يحمل خطابه إزاءها مفردات الحرب الباردة.
خاصة تجاه موسكو وأزمات منطقتنا واحتضان السياسات الإسرائيلية بدون تحفظ. وقد يكون في لغة التشدد هذه ما تقتضيه دواعي وحسابات المعركة الانتخابية، إرضاء للناخب المحافظ. لكن في الأمر أكثر من ذلك. اللفيف الذي يحيط به من المساعدين والمستشارين في حقل السياسة الخارجية يشي بانه ينوي اعتماد مثل هذا الخط المتشدد مع الخارج.
فعندما يكون جون بولتون، أحد صقور المحافظين الجدد الذي شغل منصب السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة أيام الرئيس بوش الأبن، أحد كبار مستشاريه في الشئون الخارجية، عندئذ يكون في ما يعلنه من تشدّد أكثر من مزايدة على أوباما. ذلك أن بولتون معروف كمنظّر لسياسة العصا ومن دون مواربة. سواء في أفغانستان أو في موضوع شبكة الدرع الصاروخي أو العلاقة مع الصين. ناهيك بالصراع العربي الإسرائيلي.
شخصية نافذة
وثمة همس بأن الرجل مرشح لمنصب وزير الخارجية أو مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، في حال فوز رومني. وأقله سيكون أحد النافذين في مطبخ القرار الخارجي. وهو ليس وحده من طاقم عهد بوش، في فريق رومني. معه آخرون كانوا في مواقع مهمة في البيت الأبيض ووزارات ووكالات رئيسية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية سي آي أيه ووزارة الأمن المحلي وغيرهما.
والحديث متزايد في واشنطن عن " انبعاث" المحافظين الجدد المتحفزين للعودة إلى مواقع الحل والربط والمستنفرين لتعويم رومني وإيصاله إلى البيت الأبيض. فهم يدركون أن الرجل فقير الخبرة في الأمور الدولية ومعادلاتها وتعقيداتها ،وبالتالي ستكون لهم اليد الطولى في صياغة سياسة إدارته، إذا جاءت به الانتخابات إلى الرئاسة. الأمر الذي قد يجعل من رومني بوش آخر.
والخطر ان هذا الشأن ما زال إلى حدّ بعيد خارج التداول الانتخابي، حتى الآن. والأخطر أن الناخب الأميركي في الوقت الراهن، لا يبدو في وارد التوقف للتبصر بالعواقب والمقارنة بين مرشح لا يعدو كونه مشروع تأزيم دولي وبين رئيس يطمح ولو فشل أحيانا في لجم الأزمات الخارجية عن طريق الاحتواء. لاسيما وأن خطاب الفريقين يدور اساساً ،حتى الآن، حول المتاعب الداخلية.
