بحسب تقارير جهات معنية برصد المبيعات الحربية في العالم، باتت صادرات السلاح الصيني إلى البلدان الأفريقية تشكل 25% من حجم سوق هذه السلعة في القارة السوداء. وهي نسبة ملفتة للأنظار برغم أن نوعية المبيعات لا تشمل غير أسلحة تقليدية خفيفة عموماً.

 بل كانت مؤرقة للدوائر الأميركية ،التي توقفت عندها من زاوية اعتبارها تطوراً يثير الخشية من نواح عدة. فمثل هذه الحصة اختراق جديد للتمدّد الصيني واكتساحه المتزايد للأسواق العالمية. والأهم أنه دخول قوي إلى ساحة لديها إمكانات كبيرة ومرشحة للتوسع في التسليح. كما أنه يأتي في إطار حضور صيني متنامٍ، على مختلف الأصعدة في القارة الأفريقية التي باتت تبدو مفتوحة أكثر فأكثر أمام المصالح الصينية على أنواعها. خاصة النفطية والأمنية والتجارية.

من هنا جاء تسليط الأضواء الأميركية على ما وصفته إحدى كبريات الصحف الأميركية بـ "طوفان الأسلحة الصينية في أفريقيا"، علّ في ذلك ما يحمل على وقف هذا التوجه. أو على الأقل الحدّ منه. ولهذا الغرض، فتحت هذه الأوساط ملفات الأمم المتحدة المتعلقة بمخالفات الصين في مجال بيع الأسلحة لدول أفريقية، بزعم أنها انتهت في أيد أفريقية، دول أو منظمات، محظور دولياً تزويدها بالسلاح. مأخذ قد يكون في محله. فهناك تقارير موثقة رفعتها الجهات المختصة في الأمم المتحدة، تشير إلى مثل هذه المخالفات، يضاف إلى ذلك محاولات صينية لعرقلة التحقيق في هكذا حالات.

هيمنة أميركية

لكن الصين ليست وحيدة في هذا الخصوص. ما فعلته بكين اليوم، سبق وفعلته دول كبرى أخرى في غير مكان. وأميركا على رأس القائمة. تسليح الكونترا في نيكاراغوا أيام الرئيس ريغان أحد الأمثلة. ناهيك بتسليح الاحتلال الإسرائيلي وضمان تفوقه. ثم أن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى في قائمة تصدير السلاح. مبيعاتها إلى الخارج بلغت قيمتها نيف و66 مليار دولار العام الماضي، وفق ما جاء في بيان وحدة الدراسات والأبحاث في الكونغرس. أي ما يعادل 39% من مجمل المبيعات العالمية. تتلوها روسيا بفارق نصف هذه النسبة تقريباً، ثم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والصين.

وتشير دراسة "مؤسسة الأبحاث للسلام الدولي" في استكهولم إلى ان أميركا تملك 45 شركة من أصل أكبر مئة شركة تصنيع حربي في العالم وتشكل مبيعاتها في الداخل والخارج 61% من مجموع مبيعات المئة وبما يعادل 247 مليار دولار. تأتي بعدها الشركات الأوروبية، 33 بحصة تبلغ 30% أو ما يوازي 120 ملياراً، ثم 10 شركات في آسيا و5 في الشرق الأوسط منها 3 في إسرائيل، بإنتاج يعادل حوالي 24 مليار دولار. الشركات الصينية غير مشمولة، لغياب المعلومات.

عجز أممي

الملفت في الأرقام ان هذه الشركات ازدادت مبيعاتها بمعدل 8%، بعد الأزمة المالية قبل أربع سنوات، بحيث تجاوزت 400 مليار دولار. أو ما يزيد على 25% من مجموع النفقات الحربية مشتريات وخدمات السنوية العالمية التي تبلغ 1.5 تريليون دولار، حسب تقديرات المؤسسة. أميركا تنفق لوحدها حوالي النصف: 700 مليار. تتبعها الصين، 143 ملياراً. لا الصعوبات المالية لجمت الإنفاق على التسلح ولا الاتفاقيات الدولية العشرة أفلحت في تحقيق هذه المهمة، إلاّ بالقدر اليسير. فتحت أميركا حنفية بيع السلاح بعد 11/9 بحجة محاربة الإرهاب وتبعها الآخرون. والأمم المتحدة تبقى عاجزة خاصة أمام الكبار. تقارير مراقبيها حول بيع السلاح، إما لا تبصر النور وإما تركن في الأدراج بعد صدورها.

عولمة تجارة الأسلحة

لقد "تعولمت تجارة الأسلحة وخرجت عن السيطرة لتصب النار على زيت الفقر والبؤس"، حسب تعبير منظمة العفو الدولية في حملتها مع مؤسسة "أوكسفام" لضبط عملية التسلّح في العالم. لكن الدول الصناعية وشركاتها لا تأخذ بهذه الاعتبارات. حساباتها وأولوياتها مختلفة.

همها البحث عن الأسواق والنفوذ. والصين الصاعدة لا تشذ عن هذه القاعدة. تحوّلت خلال العقد الأخير، من بلد مستورد للسلاح إلى بلد منتج له ومتاجر به. ولا بأس أن تكون أفريقيا المنكوبة بنزاعات مفجعة، أحد أسواق هذه التجارة، طالما أنها تشكل أحد المداخل إلى قارة غنية بالخامات وبالأسواق. تسللت إلى سوق السلاح الأفريقية عن طريق خفض الأسعار وتحرير الصفقات من الشروط والضوابط.

وغضّت النظر عن وصول بعض المبيعات إلى جهات أفريقية محظور تسليحها دولياً. المهم أن تؤسس لها موقعاً يخدم مصالحها وحساباتها الاستراتيجية ويمكنها من الردّ على التطويق الأميركي لتمدّدها. وواشنطن إذ تفتح ملف السلاح الصيني في أفريقيا، فهي تفعل ذلك من باب الضيق من المزاحمة الصينية وليس من باب التعفف.