أجرت قوات النظام السوري، أخيراً، مناورتين عسكريتين في أقل من سنة، كشفت خلالهما عن حجم قدرات سوريا الصاروخية التي كانت قد شرعت ببنائها منذ عقود، والتي تشكل أساس ردعها الاستراتيجي.
ويرى المحللون العسكريون الأجانب أنه باستعراض هذه الصواريخ على الملأ، ربما يكون النظام قد عكس سياسته المتحفظة المتسمة بالتكتم على مخزوناته من الصواريخ والأسلحة غير التقليدية، وذلك بالتزامن مع الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها، وحاجته إلى توجيه رسالة إلى الخارج لإحباط أي تدخل أجنبي على غرار التدخل في ليبيا. وفي عروض شاملة هدفت بوضوح للتأثير والردع، اطلق السوريون أمام العالم للمرة الأولى وفرة من الصواريخ المضادة للسفن وللطائرات وصواريخ أرض-أرض في ديسمبر 2011، وبعدها بستة أشهر، مع تزايد التكهنات المحيطة بالتدخل الخارجي، أجرت سوريا استعراضا آخر في يوليو الماضي.
وترى مجلة "جينز ديفنس ويكلي" العسكرية المتخصصة في تقرير حديث لها، أن جولتي المناورات العسكرية على الرغم من أنهما شملتا كل منظومات الأسلحة الرئيسية للقوات المسلحة السورية، بما في ذلك الطائرات المأهولة والمروحيات والمدفعية والدبابات والزوارق الصاروخية والصواريخ المضادة للسفن وصواريخ أرض- جو، إلا أن الصواريخ أرض- أرض هي التي تستحق المزيد من التدقيق والتمعن، حيث إنها قد تبرهن على أنها سلاح النظام الأمضى.
الأرضية التاريخية
ودخول سوريا عصر الصواريخ جاء بعد حرب لبنان عام 1982، عندما قام سلاح الجو الإسرائيلي المجهز أميركياً بإلحاق هزيمة كاسحة بسلاح سوريا الجوي المجهز سوفييتيا وبقيادة دفاعها الجوي، مما دفع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد إلى الاستنتاج بأن سلاح الجو لا أمل منه طالما أن السوفييت لا يمكنهم مقارعة التكنولوجيا الغربية، وقرر التركيز على تطوير قوة سوريا الصاروخية. فقامت سوريا على الأثر بإطلاق برنامج استحواذ صاروخي واسع النطاق وأسست قدرات بحث وتطوير لتصميم الصواريخ وإنتاجها، وتقول مجلة "جينز ديفنس ويكلي"، أن الأسد ذهب بعيدا في سعيه إلى التكافؤ الاستراتيجي مع إسرائيل، من خلال تطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية مصاحبة لترسانته الصاروخية.
والصواريخ المعروضة في المناورتين العسكريتين استنادا إلى مجلة "جينز ديفنس ويكلي"، شملت ثلاثة أنواع من الصواريخ الباليستية وأربعة أنواع من صواريخ الدفع الذاتي الثقيلة غير الموجهة. وهذه الأخيرة شكلت منظومة الصواريخ متعددة الإطلاق المثبتة على الشاحنات من عياري 220 ملم و302 ملم التي تدعى "إم إل أر إس" والتي استخدمت من قبل حزب الله خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006.
كما أطلق السوريون صاروخا كبيراً يطلق عليه "ميسلون"، وعرضوا صاروخا سوفييتيا كلاسيكيا من طراز "فروغ-7" مع منصته "زيل-135". وهذه المنظومة العريقة كانت قد شوهدت آخر مرة في استعراض في طرابلس عام 2009 خلال الاحتفال بمرور 40 عاما على استلام القذافي السلطة. ويستغرب المحللون العسكريون أسباب استخدام السوريين لهذا الصاروخ غير الموجه بمدى 70 كم، طالما أن صاروخهم المحلي الأجد "ميسلون" بإمكانه تحميل ثقل مماثل لمدى أبعد نطاقا.
أما بالنسبة للصواريخ الباليستية، فقد عرض السوريون منظومتين مستوردتين وتصميما محليا واحدا. كانت هناك صواريخ عديدة تشبه صواريخ "سكود" السوفييتية أو ما يوازيها "هواسونغ" في كوريا الشمالية، وهذه أطلقت عليها تسمية "جولان 2" تيمنا بهضبة الجولان، ولم يتضح ما إذا كانت هناك نسخ من "سكود بي" بمدى 300 كم أو "سكود سي" بمدى 580 كم.
هكذا تحدث المراقبون
وتشير مجلة "جينز ديفنس ويكلي" إلى أن منظومة الصواريخ "أو تي آر-21 توشكا"، التي ظهرت في مناورات ديسمبر 2011، غابت خلال استعراضات يوليو 2012، فيما احتلت مكانة مشرفة في هذه المناورات الأخيرة النسخة الموجهة لصاروخ الدفع الذاتي الثقيل "ميسلون"، والتي كانت تعرف سابقاً بـ "إم -600"، وكشف عنها بتسمية جديدة "تشرين" تيمناً بحرب عام 1973 بين العرب وإسرائيل.
وهذا الصاروخ الباليستي الموجه بالكامل يمكن تمييزه عن سابقه غير الموجه، من خلال سكته الأقصر والأصلب ونظام التحكم. وبحسب تقارير عدة، فان "إم -600" لديه مدى يصل إلى 300 كم ودقة تصل إلى حوالي 500 متر.
وفي مواجهة المنظومات الحربية الإسرائيلية من طراز "أيرون دوم"، أطلق السوريون بشكل متزامن جولتين من "إم أل أر إس" بعيار 302 ملم من منصات مختلفة في غضون عشر من الثانية. وهذا التزامن ظهر أيضا عند انطلاق دفعتين من الصواريخ الباليستية الأكبر حجما من طراز "سكود" في غضون نصف ثانية على التوالي. وتنقل مجلة "جينز ديفنس ويكلي" عن محللين عسكريين قولهم إن مجموعات مسلحة فلسطينية في قطاع غزة حاولت التغلب على دفاعات "أيرون دوم" من خلال عملية اطلاق كثيف متزامن.
ويؤكد هؤلاء المحللون أن عملية الكشف عن قدرات سوريا الصاروخية على الرغم من أن توقيتها يرتبط بالأوضاع الداخلية في سوريا، إلا أن مضمونها يفيد بأن الترسانة الصاروخية كان وراءها المواجهة مع إسرائيل.
