لطالما تحدت الإشارات التي تصدر عن نظام كوريا الشمالية المنطق في كثير إن لم يكن في جميع الأحيان. ونادراً ما صحّت التفسيرات والتوقعات بشأنها. نظام بيونغيانغ، المغلق المتوجس من هبوب الريح، له قاموسه ومقاييسه الخاصة الأقرب إلى الألغاز. لا تخضع للمتعارف عليه.

لكن ما توالى منها في الأيام الأخيرة، يحمل نكهة مختلفة، شجّعت المراقبين على المجازفة وتصنيفها في خانة المؤشرات الواعدة، وإن بكثير من التحفظ والترقب. وإذا كانت البوادر في هذا الاتجاه قد بدأت تطل وتشق طريقها ببطء ،منذ رحيل الأب المورّث كيم جونغ إيل في ديسمبر الماضي، فإن الجديد منها شكّل نقلة ملحوظة. على الأقل لأنه غير مسبوق.

قرار الزعيم الكوري الشمالي وليس الرئيس، لأن لا رئيس في بلاده إلاّ جدّه المؤسس كيم إيل سونغ وقد ذهب اللقب مع صاحبه، بإحالة قائد الجيش " ري يونغ هو" إلى التقاعد يندرج في هذه الخانة.

وكان من الطبيعي أن يثير هذا التطور اجتهادات كثيرة لناحية المضامين والأبعاد، المحلية والإقليمية واستطراداً الدولية. والأسباب متعدّدة. أولها أن الذي جرت تنحيته ليس فقط صاحب موقع هام، باعتباره قائد الجيش الكوري الذي يصل تعداده إلى مليون ومئتي ألف جندي.

بل هو صاحب نفوذ كبير توارثه عن والده وجدّه اللذين شغلا قبله هذا المنصب. وهو الذي كان قد اشرف على تهيئة الزعيم الحالي لتسلّم السلطة. كما أنه عضو المكتب السياسي للحزب وأحد نائبي رئيس اللجنة المركزية العسكرية في كوريا النافذة.

قراءات أميركية

في البداية، كانت القراءات الأميركية مرتبكة. في أحسن الأحوال متحفظة، مع ترجيح طفيف لإمكانية أن يكون الشاب كيم جونغ أون، راغباً في مغادرة تقليد نسخ التركة بحذافيرها.

إن بحكم تغيّر الأحوال والمعطيات الدولية. أو ربما لأنه قضى فترة دراسة ولو قصيرة في الخارج. أو برغبة لفك العزلة الدولية عن بلاده والتي بات الجار والحليف الصيني يتبرّم منها ومن أعبائها وإحراجاتها. وربما شجّع عليها.

ربط إقالته بدواعٍ صحية لم يؤخذ به . فالرجل حضر مناسبات عدة أخيرا وبدا في حالة جيدة، على خلاف مثل هذا الزعم. وتعزّزت الأبعاد السياسية على إثر تسريب معلومات بأن قرار "التنحية " المفاجئ صدر بعد اجتماع قيادي " هام ".

وإذا كان التبديل في القيادات الحزبية والعسكرية الكورية الشمالية ممارسة مألوفة منذ تأسيس الجمهورية الوراثية، إلاّ انه هذه المرة جاء مختلفاً من حيث علنيته ومضامينه. في العادة تحصل التغييرات وراء الستار وبصمت. ليس هذه المرة.

ما جرى:"هو جزء من الصراع داخل الحكم ويدور بين العائلة الحاكمة والقيادة الأوسع في البلاد لكبح نفوذ العسكر "، كما قال الخبير في الشؤون الكورية الشمالية كينيث غوز مدير مجموعة الشؤون الدولية في مركز " سي أن أيه للدراسات الاستراتيجية " بواشنطن، في جوابه على سؤال " البيان " حول التغييرات الأخيرة.

ارتياح صيني

والمعروف في اوساط المتابعين أن العسكري النافذ المُقال لم يكن متورطاً بشيء سوى أنه كان من " المستفيدين المتعطشين للانتفاع من الامتيازات التي يتمتع بها الجيش، المتدخل في كل شيء من مبيعات السلاح وتجارة العقارات إلى قطاع المناجم وغيرها ".

ويقال إنه كان من المتشددين المعارضين لأي إصلاح اقتصادي، من باب أن الأولوية للجيش وليس للاقتصاد". بل أكثر من ذلك، إذ انه معروف " بنزعته غير الودّية تجاه الصين "، كما يقول كينيث غوز. ولا بدّ أن تكون بكين " مرتاحة لإزاحته، من دون أن يعني ذلك بأنها ضالعة بالضرورة في خطوة إبعاده"، على حدّ تعبيره.

إشارة ذات مغزى

قد يكون إبعاده تعبيرا عن صراع داخلي، أو عن رغبة لتعزيز نفوذ العائلة، أو انه ليس أكثر من إجراء مألوف اعتادته القيادة الكورية. لكنه غير مسبوق بطريقته ،التي ترافقت مع مؤشرات أخرى تعزّز فرضية الانفتاح. مثل بروز دور شقيقة والده وزوجها النافذين اللذين يدفعان باتجاه تغليب دور الحزب على دور العسكر وتقليص حصة الدفاع لصالح التنمية.

ومثل ظهور الوارث الشاب مع زوجته ولأول مرة في تاريخ البلاد. إشارة تحمل الكثير من المعاني في القاموس الكوري. وبالذات المعنى الاجتماعي والسياسي .

وفي ذلك بداية اقتراب من النمط الصيني، إذا ما تواصلت عملية الغربلة في تركيبة الحكم لفتح باب التحوّل بالبلاد من الدور الخارجي المشاغب والابتزازي إلى الدور الداخلي للنهوض بالاقتصاد. تحوّل من شأنه، لو مضى في طريقه وإن ببطء، المساهمة في تخفيف حدة التوتر والمخاوف في الإقليم وخارجه.