انطلاقاً من الاقتناع السائد هذه الأيام في واشنطن، بأن مركز الثقل العالمي بدأ يزحف نحو الشرق الآسيوي، والصين في قلبه، صار أي تحرك أو توجّه أو قرار تتخذه هذه الأخيرة يستوقف الدوائر الأميركية المعنية لدراسة أبعاده ومضاعفاته على التوازنات والمعادلات المختلفة، الإقليمية والدولية.
سواء كان اقتصاديا أو عسكريا او جيو سياسيا. فالعالم عينه على اقتصاد الصين، باعتباره القاطرة الدولية العملاقة، في الوقت الذي ينوء فيه باقي الأوضاع الاقتصادية العالمية تحت عبء أزماتها الطاحنة.
كما عينه أيضاً، خاصة بشأن حوض المحيط الهادي، على ما تبديه بكين من عرض لعضلاتها في مياه بحر الصين الجنوبي، ومحاولة وضع المنطقة تحت وصايتها، من باب اعتبارها جزءا من مصالحها، كقوة عظمى في الإقليم.
تحرك نشط
في هذا السياق، تحوّلت الانظار في الأيام الأخيرة نحو التحرك الصيني الجديد على مستوى القارة السوداء، من مدخل منح القروض وتعزيز التبادل التجاري مع المزيد من بلدانها التي تملك ثروات طبيعية مؤكدة أو محتملة، تحتاج إلى الاستثمارات والخبرات الأجنبية لتطويرها والاستفادة منها.
فرصة بدأت بكين في اغتنامها خلال العقدين الأخيرين، لتعطيها دفعة كبيرة أخيرا، تعكس استراتيجيتها الخارجية القائمة على اعتماد العلاقات الاقتصادية كركيزة أساسية لتوسيع اسواقها وحضورها الدولي، وبما يضمن لها دعم مواقفها في معاركها الدبلوماسية الدولية. سياسة تجمع بين التوكيد على وزنها العسكري في المياه المجاورة وبين توظيف ثقلها المالي والاقتصادي لكسب الثقل الدولي الذي تنشده، من بوابة المصالح.
في هذه الوجهة، نظمت الصين تجمعاً في عاصمتها لعدد من زعماء البلدان الإفريقية الطالعة، شهد لقاءات في بكين على مدى يومين، عبر المنتدى الصيني ـ الإفريقي، جرت خلالها مشاورات مستفيضة حول واقع العلاقات مع بكين وكيفية تطويرها وترسيخها على المديين القريب والطويل، خاصة فيما يتعلق بمصادر الطاقة والثروات المعدنية التي تحتاجها الفورة الاقتصادية الصينية، التي رفعت وزن بكين على الخارطة الدولية، في السنوات الأخيرة، فضلاً عن فرص الاستثمار وأهمية الأسواق الإفريقية النامية للصادرات الصينية.
وفي نهاية هذه الجولة مع الضيوف، كشفت بكين عن عزمها منح البلدان المعنية، مثل النيجر وشاطئ العاج وبنين وكينيا وغيرها، مجموعة قروض بقيمة عشرين مليار دولار، "لأغراض التنمية الزراعية والبنية التحتية وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة".
ويأتي هذا الدعم في زمن الأزمة المالية التي تمنع بلداناً غنية أخرى مثل أميركا والاتحاد الأوروبي واليابان من الإقدام على مثل هذه الخطوة التي تحتاجها العديد من الدول الإفريقية.
لقاء المصالح
ولجعل الطريق امامها سالكة، حرصت بكين، منذ دخولها إلى القارة، على تجريد غالبية قروضها من الشروط السياسية. وحتى من الشروط البيئية. خلافاً لما تشدّد عليه مؤسسات مالية دولية، مثل صندوق النقد والبنك الدولي.
وعلى هذا الأساس تضاعف التبادل، كما تشير الإحصاءات، بين افريقيا والصين خلال السنوات الست الأخيرة إلى ما يقارب 166 مليار دولار. كما قفزت الاستثمارات الصينية، في قطاعات الطاقة والزراعة والصحة، إلى 15 مليار دولار. الأرقام بحدّ ذاتها، ما زالت متواضعة بقياسات القارة.
لكنها تتزايد بوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة. الصين يزيد عطشها للطاقة والأسواق. إفريقيا أقل اضطراباً من الشرق الأوسط، وبالتالي مطمئنة أكثر للصين من حيث كونها مصدر واعد لإمدادات النفط.
وقد اسست منذ سنوات علاقات نفطية مع بعض بلدانها مثل السودان وأنغولا وليبيا وغيرها. في المقابل وجد الأفارقة، على ما يبدو، في العلاقة مع الصين ما يلبي احتياجاتهم التنموية الملحّة، وإن بالحدّ الأدنى، التي أغفلها الغرب.
فتلاقت المصالح، ولو أن الكفة الصينية فيها راجحة حالياً. فالتنين يوفر القروض الميسورة مقابل الوصول إلى خامات افريقيا وأسواقها. معادلة تبقي على المقترض مجرد مستهلك ومدين، بدا هذا الأخير يعرب عن عدم ارتياحه لهذا الخلل، حيث طالب بكين بالمساعدة على تطوير وتحديث الإنتاجية الإفريقية.
تبدو بكين عازمة على امتلاك الموقع الاقتصادي العالمي الممتاز، مع الاكتفاء بالموقع الأمني المتفوق في الجوار فقط. ليست طامحة في سباق تسلّح يستنزف الطاقات على غير طائل. التفوق بمعايير العصر، اقتصادي ـ مالي. الحروب باتت مشروعاً خاسراٍ في زمن "النهوض" الجماهيري العام، كما يسميه زبغنيو بريجنسكي.
مهما كانت قوة الكبير راجحة على قوة الصغير. تجارب العقد الأخير شواهد. الصين أثبتت على مدى العقود الأخيرة، أنها استاذة في استيعاب الدروس وسلوك الخيارات الأنجع والأسلم، وإن ما زالت تحت الاختبار. تجربتها المتنامية مع افريقيا تأتي لتخدم خطها الاستراتيجي هذا، ما لم تتحول إلى علاقة بين كبير طامع بتسخير الضعيف لمصالحه.
