أن ينعقد لقاء أميركي إسرائيلي تحت أي عنوان فذلك من باب تحصيل حاصل العلاقة الخاصة بين الجانبين. حتى لو كان لبحث قضايا ذات طابع استراتيجي. فهذا من طبيعة الروابط التي تشد وتجمع بينهما. خاصة وإن مثل هذه القضايا كانت منذ سنوات موضوع حوار دوري سنوي منتظم، يعقد مناوبة في واشنطن وتل أبيب، في إطار مواصلة العمل على تطوير وتعميق التعاون والتنسيق الأمني المشترك.
لكن هذه المرة كان هذا الحوار، الذي انعقد يوم 12 الجاري في وزارة الخارجية الإسرائيلية في القدس، أكثر من اعتيادي وأبعد من روتيني. تزامنه مع موجة التغيير في المنطقة وأزماتها الملتهبة، رفعه من مرتبة البحث في جوانب التعاون والتنسيق إلى مستوى تعيين الخطوات والأدوار في هذه المرحلة الشرق أوسطية المرشحة لتعديل إن لم يكن لتغيير المعادلات والخرائط في المنطقة.
وذلك وفق ما تميل إليه التقديرات في معظم القراءات الأميركية. وإذا كان التصويب في هذا اللقاء قد دار بشكل خاص حول إيران وسوريا، إلاّ أن الجوار و"الربيع العربي " لم يكونا خارج الصورة ولو بدرجة ثانوية.
البدايات المبكرة
كغيره من معظم جوانب العلاقات المتميزة بين واشنطن وتل أبيب، نشأ الحوار الاستراتيجي الأميركي الإسرائيلي مع بدايات عهد الرئيس ريغان. في عام 1981 جرى التوقيع بين وزيري الدفاع كاسبار واينبرغر وأرييل شارون على ما سمّي ب " اتفاق التعاون الاستراتيجي ". وكان الأول من نوعه. والغاية منه " تحديد إطار لمتابعة التشاور والتعاون بغرض تعزيز الأمن المشترك للطرفين ".
لتفعيل هذه الشراكة ووضعها موضع التنفيذ، جرى في عام 1983 تشكيل " مجموعة عسكرية سياسية مشتركة " لاتخاذ الترتيبات والإجراءات اللازمة في هذا الخصوص. ومع صيف 1984 بدأت المناورات العسكرية البحرية والجوية المشتركة تجري بصورة ملحوظة وشبه دورية، بناء على برنامج المجموعة. كما قامت واشنطن ببناء مستودعات لخزن معدات وذخائر عسكرية لها في إسرائيل، مع منح هذه الأخيرة استخدامها عند الحاجة. خطوة غير مسبوقة تحاكي، من هذه الناحية، علاقة أميركا ب "الناتو ".
في الواقع، بعد كل هذه التسهيلات والروابط ما عادت علاقة واشنطن بإسرائيل تفترق سوى بشعرة عن تلك التي تربطها بحلف الأطلسي. وفعلاً مع بداية ولاية ريغان الثانية، منحت الدولة العبرية رتبة "الحليف الرئيسي خارج الناتو " . تبع ذلك عام 1985، اتفاقية بينهما للتجارة الحرة المعفاة من أي رسوم جمركية. وتكللت هذه العطاءات بمنح إسرائيل عام 1989 حق الدخول بمناقصات لمشتريات البنتاغون العسكرية. خاصة الالكترونية منها.
وهكذا ما أن انقضى عهد ريغان حتى كانت الركائز الاستراتيجية لعلاقات الطرفين قد تدعمت بالإسمنت المسلّح. تخللتها بين الحين والآخر بعض الاهتزازات، مثل قضية الجاسوس الإسرائيلي بولارد وموضوع قرض العشرة مليارات دولار بوش الأب مع شامير . لكنها بقيت عابرة. خاصة وان الكونغرس كان ولا يزال، ملكياً أكثر من الملك حيث يزايد احياناً على البيت الأبيض في احتضان مواقف وسياسات ومطالب إسرائيل. ويتجلّى ذلك أكثر عندما يتراخى الرئيس وتتراجع مواقفه أمام التعنت الإسرائيلي، كما هي حال أوباما.
تباين الحليفين
على هذه الخلفية جاءت جلسة الحوار الأخيرة. في العادة تنعقد جولاته مرتين أو ثلاث سنوياً وتمر كأي عمل روتيني. ولكن ليس هذه المرة. مع أن الإدارة تعمّدت عدم إعطاء الجولة أهمية بارزة، بعقدها على مستوى نائب وزير الخارجية في البلدين.
لكن تصدّر أخطر ملفين في المنطقة، إيران وسوريا، لجدول أعمالها، أعطاها أهمية الحدث. خرج فيها الحوار من التشاور إلى وضع السيناريوهات. من ازدواجية المقاربة إلى توحيدها، إزاء النووي الإيراني. قبل انتخابات الرئاسة ليس في أجندة الإدارة سوى خيار التفاوض مشفوعاً بالعقوبات وزيادة عزل إيران، مع الاستمرار بعرض العضلات في مياه الخليج التي دخلها المزيد من البوارج الحربية الأميركية أخيرا.
والواقع أن المناخ العام في واشنطن هو كذلك، بصرف النظر عن قرب الانتخابات وعن تلويح إسرائيل بعمل عسكري. ليس فقط لأن القابلية العسكرية الأميركية ضعيفة بعد العراق وأفغانستان، بل أيضاً لأن التوجه الاستراتيجي الأميركي في المنطقة ما زال محكوماً إلى حدّ بعيد بالسعي إلى تركيب معادلة إقليمية تتوفر فيها عوامل الاشتباك المتوازن. فلا يموت الذئب ولا يفنى الغنم. ومطلوب من إسرائيل الانضباط في حدودها. وهنا يقع التباين بين الحليفين.
وبالذات حول التعامل مع النووي الإيراني. لكن يعرف الأميركيون ، خاصة العسكريين منهم، ان الخيار العسكري ضد طهران هو قرار استراتيجي لا تقوى إسرائيل على اتخاذه لوحدها. لكنها بالمقابل تقوى، ربما على سبيل المقايضة، على مواصلة تفردها بالملف الفلسطيني.
