قمة مجموعة العشرين الاقتصادية المالية، التي عقدت، أخيرا، في المكسيك، كانت كل شيء إلاّ ما يوحي به اسمها. غرقت بالسياسة والصراع على الحصص والمواقع الإقليمية والاستراتيجية. وليس هذا بالجديد عليها. فهي لم تنهض ولو مرة واحدة بالمهمة الأصلية التي أنشئت من أجلها، أي معالجة الأزمات المالية خاصة بعد الانهيارات الاقتصادية في عام 2008، والبحث عن نظام مالي دولي جديد. لكنها الآن ضربت الرقم القياسي في الابتعاد عن هذا الهدف.

ابتعاد عن الهدف

وقد تركّزت مداولاتها على الأزمة المالية الأوروبية وليس الأزمة الأصلية الأشمل. وحظيت نتائج الانتخابات اليونانية بمعظم الأضواء، من زاوية أنها قد تحمل معها مفتاح معالجة مشكلة الديون المستعصية. ما عدا ذلك طغت على القمة، أكثر من أي وقت مضى، الخلافات الأميركية الروسية حول أزمات اللحظة الراهنة. خاصة السياسية منها. اللقاءات والمباحثات بخصوصها، بقيت محكومة بلعبة شدّ الحبال وعقلية تصفية الحسابات. وبذلك لم يغادر الطرفان عملياً مواقعهما.

ما تمخض عن لقاء اوباما بوتين الذي شكل محور القمة، لا يعدو كونه محاولة شراء الوقت، كلّ لأغراضه وحساباته. الرئيس أوباما يهمه شراء المدة الفاصلة عن يوم الاستحقاق الانتخابي في نوفمبر المقبل، إن لم يكن بحلول ناجزة، فعلى الأقل بتدوير زوايا الأزمات وبشكل خاص السورية. أما بوتين الذي عاد لتوّه إلى الرئاسة، برصيد 72%، فهو غير متعجل. " تعامل بحذر مع أوباما لأنه غير متأكد مما تؤول إليه انتخابات الرئاسة الأميركية"، كما قالت فيونا هيلّ الباحثة المتخصصة بالشؤون الروسية في مؤسسة بروكينغز للدراسات بواشنطن، في جوابها عن سؤال " البيان ". ولذا سعى لاستهلاك هذه المدة من خلال إبداء ليونة عامة بشان أوراقه شرق الأوسطية، من دون تقديم شيء جوهري في الوقت الحاضر إلى أوباما.

ومنذ إنشائها عام 1999 لمعالجة الأزمة المالية الآسيوية، بدت هذه المجموعة كمنتدى حكم عمله أسلوب ردّ الفعل. مع أنه كان المقصود من تكوينها إنشاء " جسم اقتصادي دولي دائم" يتمتع بالقدرة على التصدي للمشكلات التي تهدّد بتداعيات مالية واقتصادية عالمية. لكن دورها كان باستمرار دون المطلوب. بل على العكس، توالت الأزمات المالية الطاحنة بعد نشوئها. وبدت عاجزة ليس فقط عن منع نشوبها، بل أيضاً عن الحدّ من تداعياتها.

وعلى أثر نشوب أزمة 2008، سارعت إدارة بوش في أواخر أيامها إلى دعوة المجموعة لعقد قمة طارئة في واشنطن، لم تخرج بشيء سوى الاتفاق على عقد أخرى قريبة. كان من الواضح أن ما حصل أبعد وأخطر من انهيار مؤسسات مالية معينة. مع ذلك جرى التعامل معه، في القمم اللاحقة، بأدوات الواقع المطلوب تغييره. الأمر الذي أدّى إلى الدوران في الحلقة ذاتها وبالتالي إلى ضمور الإجماع وتراخي التماسك بين دول هذه الكتلة التي كان مأمولاً منها أن تنهض بالدور التصحيحي الإنقاذي، باعتبارها الأغنى والأقدر حيث تمثل 80% من حجم التجارة العالمية.

"قمة المكسيك" غاب عنها موضوعها بالرغم من خطورة الأزمة الأوروبية. تركت معالجة هذه الأخيرة لأهلها. في اليونان وبرلين بخاصة. طغت عليها السياسة. بوتين كان نجمها. فهو يمسك بمفاتيح المخارج السورية والإيرانية التي يحتاجها أوباما في هذا الموسم الانتخابي الحرج. عرضت عليه واشنطن تقديمات من باب المقايضة. وعدت بحمل الكونغرس على إلغاء قانون 1974 الذي كان قد ربط منح روسيا أفضليات تجارية بفتحها لباب الهجرة وبالذات لليهود الروس. قانون شدّد بوتين من زمان على ضرورة شطبه. كما وعدت بتسهيل دخول روسيا المتوقع هذا الصيف إلى منظمة التجارة العالمية. وفي الآونة الأخيرة أعربت إدارة أوباما عن استعدادها للاعتراف بمصالح موسكو في سوريا.

قائمة حسابات طويلة

لكن هذه البنود لا تكفي وحدها. الرئيس بوتين لديه قائمة طويلة من الحسابات التي يودّ تصفيتها. معظم بنودها من الوزن الثقيل. على رأسها عدم نشر شبكة الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية، فتح باب تصدير التكنولوجيا الحديثة إلى روسيا، وقف زحف الناتو نحو التخوم الروسية والتعامل مع موسكو كشريك استراتيجي معترف بمصالحه، لاسيما في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. حزمة مطالب، حتى الداعون إلى تسوية العلاقات مع روسيا يستبعدون تلبيتها في المستقبل المنظور. ومن هنا يتوقع العارفون " علاقات خشنة " بين موسكو وواشنطن ولغاية العام القادم مثل هذه الأيام. حينذاك تكون الإدارة الجديدة قد ركّزت أوضاعها ويكون بوتين قد استنفد وقت توظيف أوراقه الشرق أوسطية. وبذلك تكون شروط المساومة حول الملفات قد نضجت. خاصة إذا فاز أوباما " الذي يفضّله بوتين على رومني الذي يعتبر أن روسيا هي العدو الاستراتيجي الأول لأميركا ".