بالمقارنة مع سابقاتها الإحدى عشرة ، كانت الأفضل وإن أقل بكثير من المأمول ، فمن حيث خطابها وأجوائها جاءت قمة "منظمة شنغهاي للتعاون" التي عقدت في بكين أخيرا، لتعطي شحنة من القوة الدافعة التي افتقدها هذا التحالف منذ ولادته عام 1996. وضعت هذه المنظمة الأمنية الإقليمية، من جديد ،على الخريطة وأعادت التذكير بنفسها. لكن لا أكثر.

 

ففي الجوهر، بقيت على عجزها الأصلي. فليس من بين قراراتها الأخيرة ما يشير إلى العزم على تجاوز تركيبتها الهشة. ولا إلى القدرة على تعزيزها. ما جمع بين أعضائها، حسب ما صدر عن قمتها، بقي في حدود المواقف البيانية العامة.

 

. مثل معارضة محاولات الغرب فرض أنظمة بالقوة في الشرق الأوسط، ودعوة بلدان التحالف لخفض قواتها المرابطة على حدود بعضها البعض، مع التعهد "بتعميق التعاون في المجالات النووية وغيرها ، وزيادة الاستثمارات المشتركة في عدة قطاعات اقتصادية ".

 

الخلافات والقضايا حتى التجارية المعلقة منذ زمن بين أعضائها، خاصة بين موسكو وبكين، بقيت على حالها. ولم يكن ذلك خارج التوقعات.

 

بل هو نتيجة طبيعية لهذه التركيبة المعطوبة أصلاً لدواعي قيامها بصورة غير متسقة ولا متجانسة بعضها مع بعضها الآخر.

 

فهذا التحالف أبصر النور بعد حوالي نصف عقد على نهاية الحرب الباردة. بدأ بخمس دول: روسيا، الصين، كازخستان، قرغيزستان وطاجيكستان. في 2001 انضمت إليه أوزباكستان.

 

ثم دخلته أربع دول بصفة مراقب: إيران والهند وباكستان ومنغوليا. رابطة كانت الغاية منها في الأساس، أو بالأحرى كانت غاية الكبيرين من تركيبها، تكوين كتلة تعوّض ولو بحدّ أدنى، عن غياب " حلف وارسو " الذي أطاح به الانهيار السوفييتي.

 

وربما البدء بمشروع يحاكي "ناتو " على المدى الطويل. وكان الاعتقاد أن هذا الأخير بقيادة أميركا، مرجّح للتوسع واكتساح معظم الساحة الأوروبية. تصوّر ثبت أنه كان في محلّه.

 

وبالتالي كان لا بدّ من عمل شيء يقابله، إذا لم يكن بحجم الندّ ففي أقله بوزن يمكن الاستقواء به في وجه الغرب. كانت مرحلة مقلقة ومفتوحة على المجهول. معها استدارت موسكو نحو الشرق. فكانت فكرة التحالف الخماسي.

 

الذي صار مع مطلع القرن، " منظمة شنغهاي للتعاون " السداسية. تجمّع أمني بطبيعته وأغراضه. ومنذ ذلك الحين، بقي أسير المراوحة والدوران حول الذات لا غير، ولا جرى تفعيله.

 

الصين قطعت الطريق على انضمام الهند كعضو دائم فيها، لأسباب معروفة. بقي مجرد هيكل جاهز فقط لعقد لقاءات دورية حسب الحاجة وإحاطتها بهالة لا تعكس وزنها بقدر ما تهدف إلى تجديد حضورها على مسرح الأحداث وإن بصورة عابرة.

 

وانعكس ذلك في الحرص الذي أبداه الرئيس بوتين على تلميع صورة هذه المنظمة. فقد تعمّد الغياب عن قمة الثماني الكبار في كامب دافيد في مايو الماضي.

 

كما غاب عن قمة " الناتو " في شيكاغو قبل حوالي شهر. تقصّد بأن تكون أول زيارة خارجية له إلى الصين للمشاركة في هذه القمة.

 

رسالته كانت أنه يعتزم وضع ثقل بلاده وراء هذا التكتل شرق الآسيوي، الذي يقول بعض الاستراتيجيين الأميركيين مثل زبغنيو بريجنسكي إن مركز الثقل الدولي بدأ يزحف نحوه، وانه يزمع التعامل مع الآخرين من هذا الباب الذي يمسك بزمامه مع الصين.

 

بيد أن حصيلة القمة الأخيرة، معطوفة على سجلّ مسيرة هذه المنظمة، تشي بغير ذلك. ربما يطمح بوتين بمثل هذه الزعامة والموقع واستطراداً بما قد توفره من ثقل، على تواضعه. لكن الحقيقة على أرض الواقع لا تسمح له.

 

. ويعود ذلك إلى سببين جوهريين: الأول، عدم وجدود خصم واحد محدّد يمثل القوة الكفيلة بتماسك مثل هذا التكتل، على غرار ما كان عليه الأمر بالنسبة لحلف " الناتو "، أو " لحلف وارسو". من دوله الست من له علاقات متنوعة ومنها عسكرية، مع واشنطن.

 

مثل الجمهوريات الآسيوية في الاتحاد السوفييتي السابق. ومنها من يسعى لتحسين شروط علاقاته مع واشنطن، كروسيا والصين. فلا خصومة مستحكمة لأي من هذه الدول مع أميركا.

 

هناك مزاحمة يحاول كل منها تعزيز موقعه فيها. والسبب الثاني، ان هذا التحالف كان منذ ولادته وما زال، براسين موسكو وبكين.

 

ولكل منهما ليس فقط أجندته وأولوياته كقوة كبرى، بل أيضاً شكوكه وارتيابه بالآخر. ويعود ذلك إلى أيام ماو تسي دونغ والمرحلة الستالينية السوفييتية.

 

لغاية الآن لم يتوصلا وبعد سنوات من التفاوض إلى توافق حول مدّ أنبوب غاز روسي إلى الصين، بسبب الخلاف على الأسعار.

 

أميركا تمرّ في مرحلة هبوط نسبي. الفرصة متاحة لتأسيس تكتل قطبي، يضمن شيئا من التوازن الدولي معها. لكن تباين المواقع ولأجندات لا يسمح بقيام حلف استراتيجي من الصنف المطلوب.