ما من مرة احتشدت فيها القمم الدولية والإقليمية بأجنداتها وجداول أعمالها الوازنة والفاصلة، كما شهده الأسبوع الأخير من مايو الفائت. رزمة الأزمات والتحديات الأمنية والمالية التي كانت أمامها، لا تخص ساحاتها فقط. كل العالم معني بها وبتداعياتها. بل هو عانى من آثارها لسنين مفتوحة على المزيد، في حال بقيت المخارج والحلول متعثرة. وإذا كانت نتائج هذه القمم تشي بشيء، فهو أن المشكلات العاتية التي بحثتها، تبدو مستوطنة معنا وإلى حين ليس بالقريب.
تنطق بذلك الخلاصات التي انتهت إليها، والتي تراوحت بين الترحيل والضبابية والدوران في الحلقة المقفلة. وكلها تنضوي تحت مظلة العجز الناتج عن سياسة المغامرات الأمنية والمالية التي أدت إلى تراكمات وانسدادات عنيدة، كما عن غياب القيادات القادرة على أخذ القرارات الكبيرة والقيام بالإصلاحات المطلوبة. بل بالتحولات اللازمة التي باتت تفرضها الأوضاع الداخلية والمعادلات الدولية.
ذروة العجز تجلّت في قمة الدول الثماني الكبار، في واشنطن، قبل أسبوعين. وهو في الواقع عجز مكرور ومتواصل منذ أزمة 2008، وكشفها عن عورات النظام المالي وانفلاتاته. في كل مرة تبقى القرارات في حدود التوصيات الأقرب إلى التمني. تشابكت الديون مع الركود وعجز موازنات كثير من الدول الكبرى. كما لاحت في الأفق القريب مخاطر إفلاس دول. مع كل ذلك لم يكن في جعبة الثماني أكثر من التوافق البياني على ضرورة وأهمية التعويل على إنعاش "النمو" كمفتاح أساسي للخروج من الأزمة .
لا خطة ولا ضوابط ولا إصلاحات، على الرغم من إلحاح غالبية الخبراء والاقتصاديين عليها كشرط للنهوض. الكل له مصلحة في تجاوز الأزمة. لكن كل طرف يراها بعدسته. ثمة من يرى أن الخروج من الأزمة لا يصحّ إلاّ عبر بوابة التقشف. غيره يراها من بوابة الإنفاق العام والتحفيز. النظام في أزمة مستعصية. يعكس ذلك عدم قدرة اجتماعات الثماني منذ نشوب الأزمة وحتى الآن، على اجتراح صيغة لتجاوز تداعياتها. ناهيك عن استعادة المبادرة والخروج من نفقها المظلم.
القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسل، كانت في الخانة نفسها وأكثر. فبعد أشهر من الجدل والمباحثات والاتفاقات الأولية، بخصوص ديون اليونان، عادت الأزمة إلى المربّع الأول. لا اتفاق على التعويم. ألمانيا ترفض تحمل حصتها من الفاتورة. تتمسك بشروط التقشف الصارمة، والتي تبيّن خلال السنة الماضية أنها غير مجدية. بل زادت في مفاقمة الأزمة. وبدون موافقة برلين على إصدار سندات أوروبية، لا مجال للإنقاذ. يكشف هذا أيضاً عن أزمة عميقة في منطقة اليورو. أزمة الوحدة في منتصف الطريق.
إن تراجعت فالكلفة الاقتصادية والسياسية قد تكون عظيمة. وإن عزمت على مواصلة المشروع، فلا بدّ من دفع ثمن الأزمة الراهنة؛ الذي يبدو أن الاستعداد غير متوفر لتسديده. وغرق اليونان مفتوح على إغراق بلدان أوروبية أخرى. تجربة أكثر من نصف قرن على المحك. مع ذلك غاب الحسم.
وليست الأزمات الأمنية ومعالجاتها بحال أفضل. من حرب أفغانستان التي طغت على قمة "الناتو" الأخيرة بتجديد الوعد بالانسحاب في 2014، إلى أزمة النووي الإيراني واجتماع بغداد الذي انتهى إلى ترحيل الملف إلى اجتماع آخر؛ وانتهاء بالأزمة السورية المنقسمة القوى الدولية حولها. وزاد من هشاشة الوضع أن العالم، وخاصة مناطقه الحساسة، يمر بمرحلة انتقالية يسودها الترقب الحذر والبلبلة. ليس "الربيع العربي" وحده في هذه الحالة. في فرنسا قيادة جديدة، تعتزم التغيير، كما تقول. في روسيا تبدّلت المواقع بعودة بوتين الذي يلوّح ببداية مختلفة، في الداخل والخارج. الصين هي الأخرى قادمة قريباً على تغيير قيادي، سبقه في الآونة الأخيرة إطاحة وجوه في قمة هرم الحكم، أوحت بوجود صراع داخلي على السلطة.
الأزمات ليست طارئة على المشهد الدولي. فقد كانت دائماً جزءا منه. الجديد في هذا الطور من التاريخ أن أزماته من الصنف الكاسر. في الاقتصاد والأمن الإقليمي والدولي، كما على صعيد سخونة المناخ وخطر أسلحة الدمار والإرهاب والاضطرابات الاجتماعية والسياسية في غير مكان. الجهود التي بذلت لمعالجتها ودرء أخطارها كانت هزيلة لا ترقى إلى مستوى هذه التحديات. وزاد من استعصائها أن دور الأمم المتحدة تقزّم بصورة أكبر. دور فريق المراقبين الدوليين في سوريا شاهد إضافي على ذلك. المنظمة الدولية احتفلت قبل بضعة أيام باليوم الدولي لمراقبيها الساهرين على حفظ السلام في أكثر من بقعة في العالم. حوالي 17 في الوقت الحاضر. متى يأتي الزمن الذي يجري فيه تمكين هذه المرجعية لفرض السلام وحمايته معاً ؟
