من الأمور المشهورة أن نهضة الشعب اليهودي القومية صاحبها الخراب القومي للشعب الفلسطيني. هذا إلى أن تحول يهود أرض إسرائيل بعد المحرقة من أقلية غير كبيرة إلى أكثرية حاكمة غالبة كان في نظر الشعب اليهودي معجزة غير متوقعة، ومن المؤكد أنه لم يتم التخطيط له مسبقاً، وكان تحول الشعب الفلسطيني بين عشية وضحاها من أكثرية غالبة الى أقلية ولاجيء في وطنه وخارجه بمنزلة كارثة غير متوقعة. ويبدو انه لا يوجد شعوب كثيرة في العالم كانت تستطيع أن تنعش نفسها من هذه الصدمة سريعاً أو تُسلم بآثارها تسليماً سهلاً.

تسليم بالنتائج

وها هم هؤلاء الفلسطينيون من مواطني إسرائيل في العقد السابع لخرابهم القومي يريدون تذكر ذكرى خرابهم في الفضاء العام للدولة الصهيونية. وهذه بالمعنى العميق للأشياء علامة واضحة على التسليم لنتائج النكبة. لأن طلاب الجامعات العرب حينما يأتون لتذكر يوم النكبة في جامعة عامة إسرائيلية تقع في حي رمات أفيف يُسلمون وإن لم يكن ذلك عن علم لتحول الشيخ مؤنس إلى رمات أفيف.

فالحديث إذاً عن بدء خطاب يختلف تمام الاختلاف عن خطاب حق العودة: إن مراسم ذكرى القرى التي مُحيت والعائلات التي اقتُلعت والتي يقوم بها مواطنو الدولة التي كان إنشاؤها مصحوباً بمحو تلك القرى واقتلاع تلك العائلات، وإن صعب على أبناء الجيل الشاب من مواطني اسرائيل الفلسطينيين الاعتراف بذلك علناً، فيها شيء من تخليد حقيقة المحو والاقتلاع، أي الاعتراف بعدم القدرة على رد الخراب ونتائجه. وهذا مثلاً هو معنى المقارنة التي أجراها عضو الكنيست احمد الطيبي بين مراسم يوم النكبة وتذكر كارثة سكان أستراليا القدماء والهنود الحمر في كندا الذين لا يسعون إلى جعل استراليا دولة للأبروجينيين ولا جعل كندا دولة هندية، لكنها تُصادق على وجود استراليا وكندا على أنقاض الماضيين الأبروجيني والهندي.

معارضة المراسم

يمكن لذلك في ظاهر الأمر أن نندهش من معارضة وزير التربية جدعون ساعر إقامة مراسم يوم النكبة في جامعة تل ابيب ومجرد وجود "قانون النكبة" أيضاً الذي لا يُمكّن مؤسسات الدولة من تأييد إقامة مراسم تذكر يوم النكبة. في حين أن أحد كوابيس يهود إسرائيليين كثيرين هو العودة الجماعية للاجئين الفلسطينيين مع مفاتيح بيوتهم في أيديهم، فإن جعل مراسم يوم النكبة شيئاً مؤسسياً في إسرائيل كان سيحول مفتاح البيت الفلسطيني من 1948 من رمز مهدد إلى شيء متحفي.

لكن في ضوء السياسة الإسرائيلية المتعاقبة في الماضي والحاضر، ينبغي أن نعترف أن جدعون ساعر في انقضاضه على من أقاموا المراسم في جامعة تل أبيب فيه شيء من المنطق واستقامة داخلية ملحوظة. لأن إسرائيل طوال سنين وجودها وعلى عهد الحكومة الحالية بصورة سافرة، غير مستعدة للاكتفاء بالخراب القومي الفلسطيني في سنة 1948 بل تتوسع بسلب أراض فلسطينية خاصة وتوسيع مشروع الاستيطان وتأبيد واقع اللجوء في الضفة وغزة وتزيد بذلك أبعاد النكبة كل يوم. وهكذا في حين يلاحظ بين مواطني إسرائيل الفلسطينيين استعداد حذر لجعل النكبة من ذكرى الماضي الفلسطيني، يلاحظ عند القيادة الإسرائيلية تصميم لا يكل على إبقاء النكبة واقعاً حياً قائماً.

القدس وصهيون

أشهد على نفسي بأنني مقدسي جذري مولود في المدينة، ومرت علي فيها فظائع حرب التحرير. وأتذكر القذائف التي أُطلقت على حي "نحلات أحيم" القريب من سوق محنيه يهودا. وبلغت سن البلوغ محباً للقدس وعائلتي على اختلاف فروعها معروفة في المدينة. وأشعر اليوم ايضاً حينما أتجول في أحياء المدينة بفخر بما وقع من نصيبي من العيش فيها سنين طويلة.

حينما جئت الى الكنيست أيضاً مع خطة سياسية وتصور عام "أزحت" القدس عن هذا المجال، بل أيدت اقتراح قانون القدس لغيئولا كوهين. وأيدت الاقتراح لأنني آمنت بأنه قد يعزز موقفنا في القدس، لكن تبين وهمي. وعلى كل حال لم أعتقد آنذاك أيضاً "أنه لا توجد صهيونية بلا صهيون". ومرت سنين غير قليلة وجرى على أيضاً مسار النضج السياسي. فبدأت أشك في الحقائق الواضحة وأتفحص كل بديل ممكن من أجل مستقبل الدولة في سلام وأمن.

ما هي الصلة بين حلمي ورؤياي وقضية القدس؟ عبر إيهود أولمرت عن ذلك تعبيراً جيداً في كلامه. ولن يستطيع جميع مهاجميه ان يُنسوا جذوره المحافظة والقومية. لكن لما كان قد أراد أن يحرز تسوية فقد فهم شروط المعركة. وهو يعرف ما عرف باراك في كامب ديفيد وما يفهمه كل سياسي يشعر باتجاه الأمور في العالم وذاك أن إسرائيل ستضطر لا إلى التخلي في يهودا والسامرة فقط بل في القدس أيضاً.

ويجب أن نستفتي الشعب في رأيه إذا تم تفاوض جدي، وأنا على يقين من أن فريقاً من قادة اليمين سيبتون الأمور على نحو صحيح، وإذا لم يبتوها فستتبدل القيادة إلى أن تأتي قيادة تكون قضية السلام في مقدمة أفضلياتها. وليس هذا الأمر الآن في برنامج العمل لأننا نحيا في سراب ميغرون وجفعات الأولبانه، لكننا لن نستطيع التهرب من الحسم حينما يحين الوقت. لا بين محبي القدس ومن يديرون ظهورهم لها بل بين مصالح إسرائيل وبين شعارات ستبقى بلا غطاء حينما يحين الوقت.

إضاءة

التسوية

بغير تسوية بيننا وبين الفلسطينيين وبيننا وبين بعض جيراننا نعرض الأجيال التالية لخطر طمس "الرؤية التاريخية". قال قائد سلاح الجو الجديد مؤخراً إنه "لا مكان للضعفاء في الشرق الأوسط"، وهو على حق. لكن القوة والقهر قد يفنيان في حال ركود سياسي، فتضم القوة واستمرار استخدامها قد ينقلب على أصحابها، إن كل تسوية في هذا الجيل ستكون أفضل لنا من تسوية في الجيل التالي. وإذا تركنا المسارات في العالم العربي تنضج وقعدنا عن العمل فسنخون رسالتنا التاريخية وهي تثبيت وجود الدولة.