يبدو أن السفر إلى الخارج أصبح عند الإسرائيليين في السنين الأخيرة أمراً مبتذلاً، فالذي كان قبل سنين من النافلة وتجربة شعورية للعائلة كلها أصبح عملاً معتاداً. فهم يسافرون يوم الخميس أو الجمعة ويعودون يوم الأحد أو الاثنين، أي أنهم يمضون نهاية أسبوع في الخارج.

وأصبح خارج البلاد أيضاً مكاناً أقل رومانسية ومصدراً لأحلام أقل. فلم تعد روما مثلاً تستخرج صيحات التأثر ولم يعد كل شيء مدعاة الى الموازنة مثل النظافة البلدية أو الطعام. وعلى مر السنين أصبح الطعام الإيطالي عندنا منتهى الأشياء وذروة الترف. وحلمنا في الليالي بالباتوتشيني أو مرق الفيردو. واهتززنا تلذذاً لرؤية عصير البندورة على البيتزا ونُثار جبن الفرمجان، فأمامنا اذاً واحدة من اثنتين: فإما أن يكون المستوى في روما قد هبط وإما ان تكون المطاعم في إسرائيل قد ارتقت الى مستوى أصبح فيه بعضها يشبه المطاعم الإيطالية الأفضل.

لن نتوسع في الكلام على السلوك الإيطالي، فهو لم يكن قط شيئاً ما. ونقول من أجل التمثيل فقط أن مجموعة من الشباب الإيطاليين ضجت ضجيجاً عالياً في الساعة الثانية ليلاً تحت نافذة غرفتنا ولم تترك صراخها زمناً طويلاً.

فما الذي بقي نحسد الإيطاليين عليه؟ نحسدهم على الآثار التاريخية وعلى المناظر الطبيعية فقط. وعندنا في الحقيقة في اسرائيل ما نفخر به لكن إيطاليا كما يُخيل الينا تملك غاية ذلك. فمن الحقائق أن عشرات الملايين من السياح يأتون لرؤية ما تُظهره ايطاليا، وكان يُخيل الينا ان كل ذلك ينحصر في يوم واحد وفي ساعة واحدة تحت نافذة فندقنا في الطريق الى نافورة تريفيه. فالذي يمر هناك في يوم واحد لا يقترب عدده حتى بما يمر في سنة كاملة عند حائطنا الغربي. ربما حان الوقت ليعرض شخص ما على السياح المسيحيين سفراً ببطاقة واحدة الى عاصمة النصرانية (روما) والى موقع ميلاد النصرانية (القدس). ونستطيع ان نعتاش جيداً فقط من بقايا آلاف جماعات السياح التي تأتي الى روما.

علام نحسدهم أيضاً؟ أنحسد الايطاليين على وضعهم الاقتصادي؟ ان هذه القوة الأوروبية تتهاوى الى أعماق الاقتصاد ووضعها اسوأ كثيراً من وضع دول اخرى بخلاف وضعنا نحن في اسرائيل. ربما نحسدهم على طريقة الحكم أو على السلطة، لا يريد الإيطاليون سوى حكومة قوية تُخرجهم من الوحل الاقتصادي ووحل السلطة.

ونقول باختصار إن ايطاليا في صيف 2012 ليست حلماً وردياً، وليس هناك ما يُحسدون عليه. وآنذاك نركب طائرة "إل عال" ونعود الى واقعنا دفعة واحدة: ففي مقعد قريب منا يجلس نوعام شليط يقرأ صحيفة. ان عناوين الصحيفة التي في يد نوعام تصرخ في الحديث عن إيران والمنشآت الذرية والاتفاق مع القوى العظمى وتهديدات رئيس الأركان الإيراني بالقضاء على دولة إسرائيل. وفجأة في بطن الطائرة المحملة بصورة متعبة بالمستجمين يضربك وعي ان دولة واحدة فقط في العالم تتعرض لخطر تهديد وجودي، وإن كان يوجد من يعتقدون خلاف ذلك. وأن دولة واحدة فقط يتم تهديدها من كل صوب وأن حياتنا جميعاً موضوعة بقدر ما على كفة الميزان.

ونعود مرة أخرى لنحسد الإيطاليين لأنه كان لرئيس حكومتهم إلى ما قبل زمن غير طويل وقت يقضيه في حفلات لاهية، ونعود لنحسدهم على القذارة في الشوارع وعلى ملايين السياح وعلى الاقتصاد المنهار، ونحسد ثم نحسد لكن ليس لنا في الحقيقة بلد آخر.