ركزت القمة التي عقدت في شيكاغو أخيراً، على حرب أفغانستان ومتفرعاتها، خاصة الباكستانية، أكثر مما ركزت على شؤون حلف "ناتو.
". ملفات هذا الأخير وأموره الأساسية المعلقة من انتهاء الحرب الباردة، احتلت المقام الثاني من مداولات قمة شيكاغو، مطلع هذا الأسبوع، وبالذات بند ما سمي في قمة لشبونة أواخر عام 2010، بـ "خريطة طريق" الحلف للقرن الحادي والعشرين. يومئذ بقيت هذه المهمة في حدود العموميات الأمنية، خاصة فيما يتعلق بدور الحلف خارج القارة الأوروبية، التي كانت مسرحه ومبرر وجوده من البداية.
ومازالت هذه النقطة مبهمة بعد شيكاغو، بل عصية على التحديد في غياب الخصم الموازي بالحجم، والذي يتحقق الإجماع حول خصومته وخطورته بما يكفل تعزيز التضامن والنهوض بمستلزمات هذا الحلف العسكري الأقوى في العالم.
تطورات
ولذلك استمر "ناتو" بأدوار استنسابية فرضتها أو برّرتها بنظر الحلف ــ لحظات وتطورات معينة، كاللحظة الليبية وقبلها الأفغانية. لكن الاستنساب ساعد على خلخلة وحدة الالتزام، في غياب التوافق الذي تزايدت ظواهره لأسباب وجيهة سياسية ومالية. معظم الدول الأعضاء، خفّضت موازناتها العسكرية تحت ضغط الأزمة الراهنة. خاصة في أوروبا الواقفة على شفير هزّة مالية طاحنة.
ثم إن الحرب خاصة الأفغانية، تواجهها معارضة شعبية عارمة في بلدان "ناتو". المظاهرات التي جرت في شيكاغو، كانت إحدى التعبيرات عن مثل هذا الرفض. من هنا كان امتناع بعض الأعضاء عن المشاركة في العمليات ضد ليبيا.
كما كان كذلك عزم آخرين على فك التزامهم قبل الأوان المتفق عليه، كحال فرنسا الآن التي أصرّ رئيسها الجديد فرانسوا هولاند على سحب قوات بلاده، البالغ قوامها نحو 3300 جندي، أواخر العام الجاري. أي قبل سنتين من الموعد المحدد الذي قرره الحلف ــ بالأحرى واشنطن ــ للانسحاب من أفغانستان. موقف كشف على نحو أكبر مدى التشقق في تماسك "ناتو"، الذي عمل الرئيس أوباما على تلطيف مظاهره، من خلال إبداء التفهم ولو مع الانزعاج الضمني، إزاء الموقف الفرنسي.
ولهذا وغيره، كانت أفغانستان محور القمة. صادرت معظم مداولاتها وجدول أعمالها. وتحديداً إشكالات المرحلة الانتقالية حتى نهاية 2014 وما يليها، مالياً وعسكرياً. فضلاً عن موضوع الحوار المتوقف مع طالبان والمصالحة الوطنية المزمع تحقيقها قبل مغادرة قوات التحالف.
لا سيما وأن هذا الملف مقبل على مزيد من التعقيد في ضوء التردي المتزايد في العلاقات بين واشنطن وإسلام أباد. آخر تجليات هذا الأمر كان رفض أوباما عقد لقاء خاص مع نظيره الباكستاني في شيكاغو، الذي حضر قمة "ناتو" بناء على دعوة وجهت إليه في اللحظة الأخيرة. في حين اجتمع مع الرئيس كرزاي لمدة أكثر من ساعة.
رفضه جاء ردّ فعل على تشبث باكستان بشروطها لفتح طريق الإمدادات التموينية للقوات الأميركية في أفغانستان ، التي يمر 40% منها عبر الأراضي الباكستانية. وبالتحديد أن تعتذر واشنطن عن مقتل 24 جندياً باكستانياً نتيجة غارة جوية أميركية على حاجز عسكري حدودي. كما رفعت باكستان رسم مرور كل شاحنة من 250 دولاراً إلى خمسة آلاف دولار. الإدارة ليست في وارد الاعتذار.
اكتفت بإبداء الأسف. كما ترفض دفع مثل هذا البدل المروري. ردود فعل تراكمت على امتداد سنوات حرب أفغانستان، بحيث وصلت إلى درجة لا يستبعد معها المراقبون في واشنطن أن تؤدي إلى انفجار أزمة ما بين الجانبين.
مأزق الحرب
من هنا كان التركيز المكثف في شيكاغو، على الثنائي أفغانستان باكستان. من جهة لأن واشنطن تنشد الخلاص من مأزق هذه الحرب وفي الموعد المحدّد. ومن جهة ثانية لأنها تحرص على استمرار وقوف "ناتو" إلى جانبها بأكبر قدر من التماسك، وهذا دفع فرنسا لوضع علامة استفهام فوقه.
على الأقل في الحالة الأفغانية. وما يمكن قوله بدون مجازفة ان توفير وحدة الموقف للحلف إزاء قضايا ونزاعات خارجية، صار مسألة غير مضمونة. ابتعاد الحلف عن الأزمة السورية، كما صرّح أمينه العام، يؤشر إلى ذلك. خاصة وأن واشنطن تشدّد على "توزيع الأعباء" بعد اليوم على كافة أعضاء الحلف، بحيث لا تتحمل بمفردها معظم الكلفة.
مرة تلو الأخرى، تؤكد قمم "ناتو" ما بعد الحرب الباردة أمرين: الأول أن بوصلة الحلف التي كانت وراء ولادته، ضاعت ولم يعثر على بديل لها حتى الآن. وثانياً أنه تحوّل إلى حلف مناسبات، ولو بقي محافظاً على تركيبته حتى زمان آخر.
