فوجئت واشنطن بقرار الرئيس فلاديمير بوتين عدم المشاركة بقمة الدول الصناعية الثماني، أواخر هذا الأسبوع ، في كامب ديفيد. موقف كان له وقع الصدمة لدى كثير من الأوساط الأميركية المعنية بالعلاقات مع موسكو وضرورة تحسينها. فهذه الدوائر ومن ضمنها إدارة أوباما، كانت قد ذهبت في توقعاتها إلى حدّ الاطمئنان إلى أن الرئيس الروسي سيكون، هذه المرة، أكثر ليونة وتجاوباً في تعامله مع واشنطن.
من جهة، لأنه يبدو عازماً على التركيز على مشكلات الداخل الضاغطة والمستوجبة. وعلى رأسها قضايا التنمية والإصلاح والتطوير والتي من دون تحقيقها لن يتيسر لموسكو حجز الموقع الذي تطمح إليه في المعادلة الدولية الجارية صياغتها. لاسيما وأن مطالبات الشارع الروسي تتزايد في هذا الخصوص. وبذلك فهو يحتاج إلى توسيع دائرة الانفتاح والتقارب مع الغرب، الذي يمكنه مساعدته في عملية التحديث.
ومن جهة ثانية، أن بوتين أعطى أكثر من إشارة، عشية انتخابه الأخير، بأنه على استعداد لإبداء المرونة المطلوبة شرط معاملة موسكو بالمثل وعلى قاعدة " الاحترام المتبادل ومراعاة المصالح" على حدّ تعبيره.
مواقف سيد الكرملين
لكن مواقف سيّد الكرملين الجديد جاءت بلغة مختلفة. تراوحت بين إبداء الفتور تجاه الإغراءات الأميركية وبين التوكيد على ضرورة التعامل مع بلاده كطرف دولي متمايز في الوزن والموقع، من حقه الاحتفاظ بحصة وافرة من كعكة النفوذ الدولي الجاري التنافس على توزيعها. والرسالة موجهة إلى واشنطن كما هي موجهة إلى الساحة الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة.
غير انه بالرغم من وضوح الرسالة، انقسمت الردود في واشنطن بين محرّض متشائم وبين متفهم وغير متخوف على العلاقات مع موسكو في المدى المنظور.
أصحاب المدرسة الأولى يأخذون على الرئيس الأميركي باراك أوباما وأمثاله من الناهين عن استعداء موسكو، أن مقاربتهم للعلاقة مع موسكو بوتين " ساذجة ". فها هو الرئيس الروسي، "يصدّ بجلافة " كما يقولون، الدعوة إلى قمة الثماني، التي عمد الرئيس أوباما إلى نقل مكانها من شيكاغو حيث تنعقد بعدها مباشرة قمة الناتو، إلى كامب ديفيد المنتجع الرئاسي قرب واشنطن، بحيث تكون ملاءمة أكثر للرئيس الروسي. وفي مطلع مايو الجاري أوفد الرئيس أوباما مستشاره لشؤون الأمن القومي توم دونيلون ، إلى موسكو لطمأنة بوتين بخصوص استعداد واشنطن للتعاون معه. ثم وقف أوباما ضدّ مشروع قرار في الكونغرس، يدعو إلى تجميد أموال مسؤولين روس متهمين بانتهاكات لحقوق الإنسان.
مع ذلك وبرغم كل هذه التقديمات، يردّ بوتين بتجاهل قمة كامب ديفيد، بذريعة أنه " مشغول بتشكيل حكومته الجديدة ". عذر ضعيف. لكن مهما كان السبب، حسبما يرى المشككون، أن الرئيس الروسي أراد أن يبعث رسالة تؤكد على التكافؤ في العلاقة، كما على عزمه على توظيف أوراق القوة الاخرى، كالفيتو في مجلس الأمن والنفوذ في الجمعية العمومية للأمم المتحدة لتثبيت هذا الموقع. والمعروف أن موسكو تستخدم وضعها في الأمم المتحدة، بهذا الاتجاه، سواء من خلال الفيتو السوري مؤخراً أو من خلال الجمعية العمومية، حيث تتحرك الآن بقوة للحيلولة دون انتخاب مندوب غريمتها ليتوانيا لرئاسة الدورة العادية للجمعية العمومية، التي تبدأ في سبتمبر المقبل. وتبعاً لذلك، يرى هذا الفريق انه من الأجدى الإقلاع عن سياسة الاحتواء مع بوتين، الذي " بدأت هيبته تعاني من الضمور في الداخل.
رؤية واشنطن
لكن هذا التوجه المبسّط لا يلقى الرواج لدى مرجعيات السياسة الخارجية في واشنطن. الاعتقاد السائد في صفوفها أن الرئيس بوتين قد يسلك في المدى القريب، خاصة قبل الانتخابات الأميركية، خطّ المشاكسة مع واشنطن في اكثر من ملف أوروبي وشرق أوسطي، في محاولة لانتزاع ما أمكنه من التنازلات الأمنية والسياسية. لكنه بالنهاية " ليس معادياً للغرب ويمكن التعاون والعمل معه " كما يرى هنري كيسنجر. بل ينبغي العمل معه واجتذابه " بالنهاية إلى الصف الغربي لأن في ذلك مصلحة للأمن الأوروبي كما للاستقرار اليورو- آسيوي " حسب الخبير الاستراتيجي زبغنيو بريجنسكي ".
دليل العمل ببنوده السبعة، الذي وضعه بوتين لعلاقات روسيا مع الولايات المتحدة، لا تلتقي أولوياته من حيث الترتيب مع أولويات واشنطن. منها ما يتصادم مع بعضه. واشنطن تعلق أهمية على شبكة الدرع الواقية في أوروبا. موسكو تحذر منها وتطلب ضمانات أمنية صارمة. لكن حتى هذا البند مفتوح على الحلحلة. أوباما وعد مدفيديف بمعالجته مع غيره بعد الانتخابات. وموسكو رحبت والان يغتنم بوتين الفرصة المتاحة لطرح دفتر شروطه، التي يعرف انها ستكون موضوع مساومة لصالح روسيا، خاصة اذا فاز أوباما بالرئاسة.
