يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود أولمرت للعالم كله عن مبلغ قرب الإسرائيليين والفلسطينيين من اتفاق سلام دائم حينما كان رئيساً، لكن الحقائق من ذلك التفاوض الذي يفخر به تثبت عكس ذلك.

أُجري لقاء صحافي مع رئيس الوزراء السابق ايهود أولمرت منذ أيام قليلة أجرته معه كريستينا امنفور من شبكة «سي.ان.ان» وحاول أن يُظهر انه كان قريباً جداً من اتفاق سلام تاريخي مع أبو مازن في 2008، وأن الفرصة أُضيعت فقط بسبب تدخل جهات من الولايات المتحدة جاءت بمال كثير لإبعاده عن الحكم.

محادثات سرية

إن أولمرت، دونما صلة ببواعثه السياسية، غذى آلة الأساطير الدولية التي تقول إن الإسرائيليين والفلسطينيين كانوا قريبين من تسوية ما كانت تحتاج إلا إلى دبلوماسية أميركية حازمة كي تزيل الفروق الضئيلة التي بقيت بين الموقفين. لكن الحقيقة كانت مختلفة جداً في واقع الأمر.

ينبغي أن نرى محادثات أولمرت السرية مع أبو مازن برهاناً آخر على الفرق الكبير بين أقصى تنازل تم من قبل رئيس حكومة إسرائيلي، وأدنى مطالب الفلسطينيين. وليست هذه أول مرة يُتحدث فيها في إعلام الأسطورة الذي لم يتحقق قط عن شق طريق قريب نحو اتفاق دائم بين إسرائيل والفلسطينيين، فبعد انقضاء المحادثات في طابا في 27 يناير 2001 نشر مفاوضون إسرائيليون وفلسطينيون إعلاناً مشتركاً ورد فيه: «يصرح الطرفان أنهما لم يكونا قط أقرب مما هما الآن من التوصل إلى اتفاق».

مع ذلك كان رد محمد دحلان على وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شلومو بن عامي والذي كرره أيضاً على مسامع مراسل «صوت اسرائيل» هو: «كلام فارغ». وكتب مندوب الاتحاد الأوروبي ميغال مورتينوس في تقرير داخلي عن طابا «بقيت فروق جدية» بين الطرفين.

مبالغة في الإنجازات

تشير نظرة إلى الـ 15 سنة الأخيرة إلى ميل قوي إلى المبالغة في إنجازات التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني. فقد كتب دافيد ماكوفسكي الذي كان مراسلاً سياسياً لصحيفة «هآرتس» في تسعينيات القرن الماضي، كتب في 2003 عن مقابلة صحافية أجراها مع اللواء (احتياط) شلومو يناي كشف فيها عن أن اللجنة العسكرية في طابا لم تكد تجتمع وأنه علاوة على أن الطرفين لم يتقدما في التباحث في الشأن الأمني، كان هناك تراجع أيضاً. وباختصار لم يكن الطرفان «أقرب مما كانا قط». وبرغم ذلك استمرت الأسطورة.

ما الذي نعلمه عن محادثات اولمرت مع أبو مازن في 2008. نعلم أولاً أنه لم يُحرز اتفاقاً حقيقياً. ففي تلك السنة اقترح أولمرت على أبو مازن اقتراحاً رفض الكشف عن مضمونه الكامل. وجاء عن ديوان أولمرت لصحيفة «هآرتس» في كانون الأول 2009: «لن نستطيع لاعتبارات مسؤولية وطنية أن نتناول مضمون تلك الخريطة وتفصيلات الاقتراح».

وظهرت صيغة اقتراح أولمرت الأكثر تفصيلاً في الصفحة الافتتاحية من صحيفة «نيويورك تايمز مغازين»، في تقرير لبرنارد افيشاي. وقال أولمرت لافيشاي بأسلوب ذكّر بنغمة نهاية محادثات طابا: «كنا قريبين جداً أكثر من كل مرة سبقت، من التوصل إلى اتفاق على أساس مبادئ كان يمكن أن تفضي إلى إنهاء الصراع بيننا وبين الفلسطينيين».

حق العودة

لكن هل كان وصف أولمرت دقيقاً؟ كتب افيشاي أن أولمرت استعمل «غموضاً بناء» لمواجهة الموضوعات الأشد تعقيداً مثل قضية اللاجئين الفلسطينيين. وقال أبو مازن لصحيفة «واشنطن بوست» في 2009 إنه فهم أن أولمرت قبل مبدأ «حق العودة». ومع ذلك قال أولمرت بعد ذلك بسنتين لافيشاي إن عدد اللاجئين الدقيق ممن سيُسمح لهم بالعودة بقي خاضعاً للتفاوض.

فهل يُسمى هذا «اتفاقاً»؟. بل إن اقتراحات أولمرت في المجال الأمني كانت أكثر اقلاقاً. قال أبومازن لأفيشاي إن «موضوع الأمن محسوم»، لكنه أضاف: «لا نزعم أن الحديث عن اتفاق هنا، لكن الشأن الأمني صيغ نهائياً». فكيف يمكن «الاتفاق» على موضوع مهم مثل الأمن بغير اتفاق بين الطرفين؟ أوضح أبو مازن أنه وُجد حلاً لقلق إسرائيل الأمني مع الجنرال جيمس جونز، المستشار الأمني لكونداليزا رايس، وتبين أن أبو مازن تحدث إلى جونز، لكن لم يكن أي اتفاق مع إسرائيل.

 

الاتفاق الدائم

 

لا يهم من سيفوز في المعركة الانتخابية القريبة في الولايات المتحدة لأن الإدارة القادمة ستحاول أن تصوغ مبادرة سلام إسرائيلية فلسطينية وتضغط على الطرفين لقبولها. فبعد فشل كامب ديفيد وطابا جمدت سياسة الولايات المتحدة الخارجية على محاولة إعادة هذه الاقتراحات برغم أنها فشلت في الماضي ولم توزن قط بدائل عنها.

في 2010 كتب بيل كلينتون في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه بسبب التاريخ الدبلوماسي ومبادرة أولمرت «يعرف الجميع كيف سيبدو الاتفاق الدائم». برغم سمعة أولمرت الإشكالية يعزز ظهوره الأخير الانطباع المخطئ الذي يقول إن الاتفاق على التسوية الدائمة الشاملة تم في الماضي ويجب الآن فقط احياؤه وذلك بدل البحث عن بديل أكثر أمناً لإحراز سلام في الشرق الأوسط.