طراز من الإسرائيليين من الناجين من محرقة النازي في أوروبا عاشوا في إسرائيل ولم يستطيعوا التكيف مع الحياة الجديدة فيها، ولم يكن الدكتور هاينز ليفي ناجيا تقليديا من المحرقة، فلا توجد في حياته معسكرات إبادة ولا رقم منقوش في يده، بل ولا معسكر تجميع. كان الدكتور هاينز ليفي لاجئا وهو والدي. ويُخيل إلي أن أكثر حياته مر عليه وهو لاجئ برغم أنه كان يُنكر ذلك على التحقيق.

 

الغربة الدائمة

صحيح انه حرص في يوم الاستقلال على أن يُخرج من الخزانة العلم المطوي ويرفعه على الشرفة؛ وصحيح أن حياته هنا كانت طيبة جدا لكن يُخيل إلي بالنظر إلى الوراء أنه لم يجد مكانه هنا قط، بل انه لم يحاول أن يُحيي هنا أوروبا التي تركها وراءه، لكن أشك في أن يكون وجد بديلاً عنها هنا، إنه يعيش في غربة دائمة.

حينما جاء إلى هنا وحده بعد تقلقل فظيع في البحر استمر شهورا طويلة في سفينة فارين ضعيفة، واشتمل على اعتقال في بيروت أيضاً اضطر إلى أن يتنقل من بيت إلى بيت في هرتسليا وان يعرض سلعته التي كانت كعكاً من وسط أوروبا خبزه في مخبزه مع أخته وحمله على دراجته الهوائية. كان جميلاً وكان خبازاً أيضاً مع شهادة دكتوراه أيضاً، لكن من المؤكد أنه لم يكن هذا قصده حينما نسج أحلامه.

واليوم ونحن نتذكر المحرقة، يجب أن نتذكر أيضاً من لم تجرِ عليهم فظاعتها وغيرت مع كل ذلك حياتهم تغييرا كلياً بل ربما أفسدتها. أفضت المحرقة إلى إنشاء دولة إسرائيل والى جمع جزء كبير من ناجيها فيها، لكن ليس الجميع وجدوا فيها مكانهم. فقد حُكم عليهم بحياة الجلاء في وطنهم الجديد وهكذا كان أبي أيضاً.

 

تخليد الذكرى

يجب الاستمرار في تخليد ذكرى المحرقة فهو وحده الرد على معادي السامية الذين ما يزالون موجودين في العالم.

وعلى خلفية يوم المحرقة الحالي تقوى موجة مُنكري المحرقة في العالم، وليسوا جميعا ناسا يُستخف بهم. إن معاداة السامية ما تزال عند كثيرين منهم مثلاً ميل غبسون وهو ممثل سينما ومعاد للسامية سيعرض في المستقبل فيلماً عن يهودا المكابي. وليس غبسون لأسفنا الشديد المشهور الوحيد الذي يبث سم معاداة السامية بتصريحاته المختلفة، بل يقعد معه في «صف الشرف» أيضاً تشارلي شين وجوليان آسنج وآخرون.

لا يجوز لنا أن نمر بهذه التصريحات مرور الكرام، بل يجب علينا بصفتنا يهودا ويجب على إسرائيل باعتبارها دولة، الرد. ومع ذلك لا يجب أيضاً أن نعطيها وزناً كبيراً. إن كراهية اليهود في ذاتها موجودة منذ آلاف السنين وستستمر سنين كثيرة. ويجب ان نندد بمقولات معادية للسامية، لكن لا يجوز ان نُعظم ونضخم كل حماقة وبلاهة تخرج من أفواه مشاهير حتى لو كانوا نجوم سينما في هوليوود.

 

سلاح المحرقة

إن تخليد ذكرى المحرقة وفظاعتها هو أفتك سلاح وأكثره حقيقية نملكه. ينبغي أن نخلد المحرقة ــ بطرق مختلفة ــ من اجل أن نسد أفواه منكري المحرقة ومعادي السامية على اختلاف ضروبهم، وتنشأ بين الجمهور في إسرائيل أكثر من مرة جدالات في شأن ضرورة وأهمية الجولات في معسكرات الإبادة في بولندا للفتيان وللعسكريين والشرطيين.

وباعتباري واحداً خرج إلى هناك أكثر من مرة مع مجموعات من الفتيان ومن أعضاء «هشومير هتسعير»، يجب علي أن أؤكد القيمة العظيمة والتأثير التصحيحي لهذه الجولات في الفتيان. وإن مقولة «صورة واحدة تساوي ألف كلمة» أصدق بأضعاف مضاعفة حينما نواجه آبار الموت في غابات بولندا أو حينما ننظر في مواقع تخليد الذكرى في مايدانك واوشفيتس.

وصحيح أيضاً انه توجد تأثيرات نفسية لا يستهان بها للجولات. لكن الفتيان في نهاية الأمر والبالغين الذين كانوا وتجولوا في هذه الأماكن الفظيعة، يعرفون كيف يجيبون وكيف يتناولون ويفسرون أفضل من كل واحد آخر في ردهم على ناشري معاداة السامية في أنحاء العالم.

وليس هذا فحسب. فبرغم كثرة من يحاولون إنشاء مراسم ذكرى بديلة، ما تزال للذكرى المؤسسية قيمة كبيرة. وتُعرف لنشاط مؤسسة قديمة وممتازة مثل «يد واسم» وللمسيرات التي تتم في أنحاء البلاد وتخلد ذكرى المحرقة، أهمية عظيمة.

 

 

نفقات الذكرى

 

كلما مرت السنين لا يجوز أن ندع غبار التاريخ يغطي الفظاعة التي جرت على الشعب اليهودي على أيدي النازيين وشركائهم.

وبسبب مشكلات نفقة وتقليص نفقات، تزن جهات كثيرة في إسرائيل حكومية وعامة وخاصة أن تزيل الدعم والمساعدة لهذه المناسبات التي ترمي إلى الحفاظ على ذكرى المحرقة والتذكير بها، وهذا خطأ. فالمحرقة موضوع قيمي يجب أن يبقى الجمهور الإسرائيلي مُجمعاً عليه. فهذا هو الأساس لوجودنا وبقائنا بصفتنا يهوداً نعيش في ارض إسرائيل.

إن تخليد الذكرى والمعرفة هي قوتنا وسلاحنا الفتاك في مجابهة معادي السامية الذين ما يزالون موجودين في العالم.