على الرغم من استمرار الأزمة المالية والتعثر الاقتصادي، ما زالت سوق الأسلحة ساخنة. ولو أنها سجّلت نسبة من التراجع، قياساً بالسنوات الماضية. مع ذلك بقيت أرقام مبيعاتها فلكية. لكن الشركات الضخمة التي تنتج آخر ما ابتدعه العقل الحربي من آلات التدمير، استأثرت وحدها بالحصة الأعظم من هذه السوق. عددها لا يتجاوز المئة شركة.

معظمها وأشهرها أميركية. وإنتاجها ليس بمتناول غير القادر على شراء الأسلحة، أو الذي يمتلك التكنولوجيا العسكرية المتفوقة ويحاول الاحتفاظ بزمام المبادرة في حقلها. وبهذا المعنى، هناك سباق تسلح إما للتفوق من خلال التعويض عن الإنفاق العالي بالنوعية الفعالة. وهذا ينطبق على الحالة الأميركية خصوصاً. ويتجلّى ذلك في مجال الأسلحة الإلكترونية الفضائية وسلاح الطيران الجديد المعروف بطائرات الشبح الصامتة والعاملة من دون طيار. وإما لتعزيز المنافسة على الأسواق ومحاولة السيطرة على الشريحة الكبرى منها.

نشط الحديث الأميركي في الآونة الأخيرة حول القضايا الدفاعية. أطلقه الخفض الذي تعرضت له موازنة وزارة الدفاع الأميركية، وما أثاره ذلك من جدل بين المؤيد والمعترض. لقد تحدّد هذا الخفض بخمسين مليار سنوياً وقد تلحقه خمسين مليار ثانية، من أصل ما يقارب الستمائة مليار دولار.

وشمل ذلك تقليص حجم القوات الأميركية من 570 ألف جندي إلى 490 ألفاً، خلال السنوات الخمس المقبلة. كما تناول خفض عدد القوات المرابطة في قواعد خارجية، خاصة في اليابان، حيث سيتم نقل 8 آلاف من هناك إلى جزيرة غوام.

وفي أوروبا، بحيث ينزل العدد من حوالي أربعين ألفاً إلى 29 ألفاً، مع عام 2015. بقيت الأسلحة إجمالاً بمنأى عن مقص الخفض. وما طاله منها، مثل طائرات أف 35؛ جرى سدّه بطائرات «درون» الموجهة عن بعد بواسطة الأقمار الاصطناعية. خاصة القاذفة منها، التي تستخدم فوق الأراضي الباكستانية في مطاردة طالبان وغيرها. وتصرّ واشنطن على الاستمرار باستخدامها رغم اعتراضات إسلام أباد.

كما تصرّ إدارة أوباما على المضي في بيع الصنف المتقدم من هذه الطائرة 65 مليون دولار الواحدة التي ما زالت تنفرد أميركا بتكنولوجيتها والتي ربما تكون قد تكشفت بعض أسرارها بعد هبوط إحداها في إيران بسبب خلل ميكانيكي طارئ قبل فترة قصيرة. والمعروف أن هذه الطائرة مطلوبة من دول أوروبية مثل إيطاليا وغيرها.

مع أن الكونغرس مترددة بالموافقة، خوفاً من نسخ تكنولوجيا هذا السلاح الفعّال والمنخفض الكلفة نسبياً. لكن واشنطن ترى أنها فرصة لتعزيز حصة المجمع الحربي من المبيعات العسكرية العالمية التي ما زالت أميركا تحتل المرتبة الأولى فيها، بحسب آخر تقرير صادر عن «مؤسسة الأبحاث الدولية للسلام» في استكهولم التي ترصد صفقات الأسلحة بين البلدان الصناعية وزبائنها.

فقد جاء فيه أن المبيعات لعام 2010 بلغت أكثر من أربعمائة مليار دولار، ما عدا صادرات الأسلحة الصينية وجزء من المبيعات الروسية، لعدم توفر المعلومات والأرقام. أكثر من نصف هذه الفاتورة، أو 56%، يعود إلى أهم عشر شركات أميركية وأوروبية، تتربع على قمتها شركة لوكهيد مارتن، للطيران الحربي وتوابعه.

وقد أشار تقرير هذه المؤسسة الموثوقة، إلى تراجع مرتبة إسرائيل في قائمة البلدان المصدّرة للأسلحة، من الموقع التاسع عام 2009 إلى الحادي عشر في 2010. وتعزي تل أبيب هذا التراجع إلى انسداد السوق الصينية أمام مبيعاتها العسكرية. وإلى المزاحمة القوية في الأسواق الأخرى الأميركية الجنوبية وغيرها، التي كانت لها حصة مؤثرة فيها.

لكن الواقع أن حجم المبيعات العسكرية ارتبط دوماً بمدى استيفائها للمواصفات الحديثة والمتطورة، وليس بحدّة المنافسة فقط. وبكل حال، معظم التصنيع العسكري الإسرائيلي تطور إما بالشراكة مع البنتاغون أو من خلال تزويده بما يحتاجه من تقنيات حديثة أميركية وغربية.

في السنوات العشر الأخيرة، تفيد الأرقام أن مبيعات السلاح مع الخدمات العسكرية المرتبطة بها، قد زادت بنسبة 60%. تراجعت فقط في السنتين الأخيرتين، بحكم الخفض الإجباري في الموازنات، الغنية والفقيرة. ساعد على ذلك هبوط درجة حرارة الخطاب الحربي ليحل مكانه خطاب الانسحاب من ساحات المواجهات التي اندلعت في العقد الماضي مثل العراق وأفغانستان.

حالة التعب الأميركي من الحروب، لا تخطئها العين. ولو أن الساحة الأميركية لم تبلغ بعد نقطة تنظيم التحرك ضدّ الإنفاق العسكري، على غرار بعض الحركات الأوروبية مثل «اليوم العالمي ضدّ الإنفاق العسكري» الذي جرى إحياؤه في 17 الجاري.