جر نفسه نحو الحدود، وجسده الهزيل بالكاد يحمله. الرحلة الطويلة من أفريقيا أدت إلى نفاد قواه. بعد عشرات الكيلومترات من السير في الصحراء فصلت بينه وبين البلاد الموعودة التي يحلم بالوصول إليها والعيش فيها وهي ـ إسرائيل ـ بضعة أمتار فقط، وها هي عيناه ترى من بعيد أرض الحلم الذي اقترب تحقيقه، غير أنه عندها، قبل لحظات قليلة من اجتيازه المكان الذي يفترض أن يكون فيه جدار، وضع أيديهم عليه الشرطة المصريون. ومنذئذ اختفت آثاره.

هذه هي القصة الحزينة للاجئ سوداني لم يسمع عنه أحد. قصة رجل أغلب الظن أنه قتل بنار الشرطة المصرية. قصة لاجئ لا اسم له ولا مكان ولا عنوان أتى منه ولا عنوان ذاهب إليه، مات فقط لأنه سعى إلى الدخول إلى إسرائيل. وحسب التقارير والمعلومات المؤكدة لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فإنه فقط واحد من بين كثيرين. «كانت جماعة من بضعة سودانيين منهم انتقل أربعة، واثنان آخران أمسك بهما المصريون»، يروش مقاتل إسرائيلي كان حاضرا في المنطقة تلك الليلة يقول «في وقت لاحق لاحظنا أنهم أمسكوا بمجموعة أخرى من ستة أفراد، لم يمر أي واحد منهم الحدود ـ لا في تلك الليلة ولا منذ ذلك الحين».

يروش لم يكن شاهدا على القتل، ولكنه قدر بأن المصريين يجرون أولئك السودانيين إلى خلف التلال وهناك يقتلونهم. وشرح قائلا: «حين يحاولون إيقافهم، يطلقون النار بشكل متقطع. بعد ذلك نحن نسمعهم يطلقون عيارات متفرقة، ونفترض بان هذه هي اللحظة التي يقتلونهم فيها. لا توجد ليلة لا نسمع فيها عيارات وصليات».

أحيانا تقع الفظاعة تماما أمام نظر الجنود ـ في المنطقة السائبة المجردة من السلاح التي بين محور فيلادلفيا الإسرائيلي والطريق المصري. « لاحظنا لاجئين امسك بهما المصريون»، يقول «هـ» مقاتل آخر من المنطقة. «أطلقوا النار عليهما وعندها جروا الجثتين إلى الموقع المصري بينما كانوا يضربونهما بأعقاب البنادق. بعد ذلك بلغت مراقبة الحدود بأنهم لاحظوا شخصا آخر بين الزرع وتوجهوا إليه. قيدوه وحاولوا إيقافه، فانهار. هذا لا يزعجهم ـ فقد جذبوه بالقوة من اليدين والقدمين وضربوه».

هكذا يبدو محور فيلادفيا في العام 2012. من جهة جنود الجيش الإسرائيلي ومن الجهة الأخرى ـ شرطة مصريون. مرة في الأسبوع تقريبا تطلق نيران نحو الجنود في الجانب الإسرائيلي، ولكن هؤلاء تلقوا التعليمات بعدم الرد كي لا يثيروا حادثة دبلوماسية. «إنهم يلعبون معك»، وصف أحد الجنود. «في النهاية سيقتل لنا جندي».

أحيانا يصبح جنود الجيش الإسرائيلي شهودا رغم أنفهم في الحرب المصرية ضد اللاجئين. «يتلقون ضربا مميتا»، يروي أحد القادة في الجبهة. «وصلوا إلي جرحى يعرجون، بالكاد يتحركون. كل سوداني أمسكه المصريون يفككون له يديه ورجليه». في حالة أخرى، أفاد بها شهود سماع أساسا، اجتاز أفراد من الشرطة المصريين الحدود وأمسكوا بلاجئة كانت صارت في الأراضي الإسرائيلية. فجروها إلى الأراضي المصرية، وهناك أغلب الظن اغتصبت وقتلت.

عشرات اللاجئين، حسب التقديرات، ينهون حياتهم على الحدود كل سنة. الأمم المتحدة وجهت تعليماتها للمصريين بوقف النار ولكن حتى الآن لم يحصل شيء. صرخة أولئك الذين انهوا حياتهم، مصابين بالنار ومضروبين، في طريقهم بحثا عن حياة طيبة، لن يسمعها أحد. حتى لا يعرف ما هي أسماؤهم.

الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي يقول: «الجيش الإسرائيلي يعمل على حماية الحدود الجنوبية، بتنسيق أقصى مع الجيش المصري».