تستضيف أميركا خلال الأيام القليلة المقبلة، قمتين من العيار الثقيل: قمة نادي الدول «الثمانية « الصناعية الغنية التي ستعقد في واشنطن. ثم تأتي بعدها مباشرة قمة «ناتو « في مدينة شيكاغو. وعلى الرغم من أهمية المناسبتين، نظراً لحجم هاتين المجموعتين وقدراتهما المفترضة على مواجهة التحديات المطروحة، إلا أن الاهتمامات بشأنهما متواضعة بقدر التوقعات.

ليس فقط لأن الهموم والمشاغل الخارجية والداخلية، ومنها حملة الانتخابات الرئاسية، طاغية على المشهد الأميركي الراهن. بل أيضاً لأن مثل هذه القمم صارت في الوعي العام وكـأنها جزء من الديكور الدبلوماسي الدولي، المراد منه سبغ هالة من الجديّة على أوضاع وترتيبات مترهلة، تواجهها أزمات عاتية لا تقوى عليها. من هذه التكتلات ما فقد ضرورته، ومنها ما هو مستمر بحكم التقليد وغياب البديل. خاصة نادي الثمانية.

 سوابقه تضعه في هذه الخانة. وحاضره لا يبشر بأكثر من استمرار العجز. فالأزمات، المالية والأمنية والمناخية تفاقمت وازدادت تعقيداتها، فيما يتوالى اجتماعه السنوي على غير جدوى ملموسة. غابت المعالجات الناجعة. كما بات ضعف الانسجام وتزايد الارتياب المتبادل يحكم علاقة سائر أطرافه مع بعضها. خاصة بين موسكو وواشنطن.

قمة النادي، الذي جرى افتتاحه بست دول صناعية غنية عام 1975، أمامها جدول أعمال، وضعه البلد المضيف، لا يرقى إلى مستواها. يقوم أساساً على «متابعة « القضايا التي أقرتها قمم سابقة لم تحظ بالتنفيذ بعد، مثل «الأمن الغذائي» وخفض «انبعاثات الطيران» وغيرها. أما القضايا الإستراتيجية، المناخية منها والمالية وغيرها، والتي تترتب عليها التزامات وتستوجب التوافق العريض حولها، فقد بقيت محجوبة. على الرغم من أن هذا النادي وجد أصلاً للتداول « من أجل حلّ الخلافات « بين الكبار.

لقد سبق للنادي أن عقد 37 قمة منذ تأسيسه. تطور حجمه حيث صار سبع دول مع دخول كندا عام 1976، ثم ارتفع الرقم إلى ثمانية مع انضمام روسيا إليه عام 1997. وبعد الأزمة المالية، تناسلت عنه تركيبة أكبر سميت بمجموعة العشرين. تضم الدول الناشئة من الصين إلى البرازيل وما شابه. عقدت هذه التشكيلات قمم عدة، كانت الحصيلة في كل مرة مراوحة يجري ترحيلها للقمة التالية.

رواسب الأزمة المالية ما زالت تجرجر أذيال الخيبة. النظام المالي الموروث من زمن اتفاقية برايتون وود بعد الحرب العالمية الثانية، ما زالت ركائزه قائمة. وبالتالي لا يزال شبح كارثة شبيهة ب2008، قائماً، ولو أنه جرى ضبط بعض المفاصل الرخوة. وهكذا قضايا الاحتباس الحراري والأمن الغذائي وغيرها. لف ودوران حول الأزمات وجذورها، مع محاولة كل طرف التبرؤ وتحميل أعباء المشكلات للآخرين.

 

مصالح متصارعة

وإذا كان « الثمانية « غارقين في العجز والتهرب ومحاولة تطويع القديم بما يخدم المصالح المتصارعة، فإن منظمة حلف «ناتو» باتت تكتفي بالتلميع لإثبات جدارة وجودها ودورها. فالحلف يعقد قمته الخامسة والعشرين، بين 20 و21 مايو المقبل في شيكاغو، مدينة الرئيس أوباما، لمتابعة مقررات قمة ليشبونة في 2010 ووضعها موضع التنفيذ «. والمعروف أن القمة الأخيرة كانت مخصصة « لعرض المفهوم الجديد الثالث بعد الحرب الباردة للحلف بحيث تتحدّد أولوياته خلال العقد الجاري المنتهي، عام 2020 «. لكنها انتهت بصيغة ضبابية.

لم يعثر «ناتو « خلالها على بوصلته، بعد عشر سنوات من البحث عنها، وبعد حوالي عشرين سنة على الانهيار السوفييتي. مع غياب الخصم الذي تأسس الحلف لمجابهته، غاب الإجماع بين الأعضاء. الخصوم الجدد: «الإرهاب» « خطر انتشار أسلحة الدمار «، «السلاح الصاروخي «، لم يكونوا كافين لتبرير التماسك كما كان. على العكس، حصل التوافق على « خفض نفقات ناتو». كما أن توسيع دور الحلف إلى خارج مسرحه الأصلي، لم يلق الارتياح من جانب كل أعضائه . وتجربة ليبيا كشفت ذلك، حيث بقيت بعض المشاركات جانبية أو رمزية.

وكذلك تجربة أفغانستان التي أعلن عدد من الحلفاء عن رغبته في الانسحاب المبكر منها. « لقد اختار الأوروبيون الابتعاد عن أية التزامات جديّة تجاه أنفسهم أو حتى تجاه ناتو» ، كما يقول زبغنيو بريجنسكي.

لقد تغيرت الظروف بمعطياتها وأولوياتها. حالة الضيق المالي في الداخل والنهوض السياسي في الخارج، حكمت على التكتلات الدولية التقليدية بالانكفاء للداخل وحمايته على حساب المصلحة الجماعية. من هنا مراوحة «ناتو» ونادي الثمانية ومنظومة اليورو في مواجهة أزمة ديونها.