همسة الرئيس أوباما في أذن نظيره الروسي ميدفيديف خلال قمة سيئول الأخيرة، والتي سرقها بغفلة ميكروفون مفتوح سهواً، تقول الكثير. ليس فقط عن ملف شبكة الدرع الصاروخية التي تنوي واشنطن نصبها في أوروبا وتعارضها موسكو بقوة. بل أيضاً عن مستقبل العلاقات مع روسيا بعد عودة بوتين، مروراً بأسلوب ترحيل الأزمات الذي يعتمده، كما بإشكالية عدم قدرة أوباما على التوفيق بين مقاربته السليمة للمشهد الدولي وتعقيداته عموماً وبين وضع هذه المقاربة موضع التنفيذ.
معادلة غالباً ما حكمها التردّد والالتباس، فضلاً عن حسابات ودواع سياسية محلية وانتخابية. وهنا يكمن أحد أكبر أعطاب نهج الرئيس أوباما في التعاطي مع القضايا الخارجية. بقوله للرئيس الروسي: " بعد الانتخابات تصبح لدي مرونة أكثر لحلّ هذه المشاكل بيننا وبالتحديد مسألة الصواريخ الدفاعية"، كشف أوباما مرة أخرى، عن كثير من الجوانب الرخوة في سياسته الخارجية وعن أولوياته، حيث تتقدم المعركة الانتخابية وحساباتها على ما عداها، حتى ولو تعلّق الأمر بشؤون إستراتيجية شبعت تأجيلاً.
وحتى ولو أنه بدا معها وكأنه يستعين بموسكو بوتين لمنحه الفسحة الانتخابية اللازمة، مع كل الإحراج الذي تسبب به ما حسبه الرئيس بأنه وشوشة بعيدة عن أذن وعين الرقيب. زلّة وظفها الجمهوريون ضده على أرضية التخويف من عودة بوتين "المعادي لأميركا".
مزاعم باطلة
ويعود ملف الدرع إلى زمن بوش. وزعم هذا الأخير وفريقه من المحافظين الجدد حينذاك، أن نصب الشبكة فوق المسرح الأوروبي الشرقي، تقرر لأغراض دفاعية ضد الصواريخ الإيرانية. لكن قربها من موسكو أثار شكوك هذه الأخيرة ورفضها.
ثم جاء أوباما وتعهد بالانقلاب على ورثة بوش الخارجية. وبالذات العسكرية. ألمح إلى خيار توزيع منصات الدرع بين مواقع أوروبية غير قريبة من روسيا وبين نصبها على سفن حربية متجولة في البحر الأبيض المتوسط.
لكنه تراجع، كالعادة، أمام الصقور. فخلال المفاوضات حول "ستارت " 2 والتي تم التوافق والتوقيع عليها أواخر 2010، أصرّت إدارته على صياغة ضبابية، فيما يتعلق بالدرع. بموجبه لا تمتنع واشنطن عن تطويرها ونشرها، من دون تحديد المواقع. القوى المحافظة جدّدت حملتها. شدّدت على ضرورة التركيز على الدروع الواقية باعتبارها الضمان الواقي. في الواقع ليس المقصود منها توفير الضمان الأمني، في حال بلوغها الدرجة المطلوبة من التطوير والفعالية.
بل ضمان التفوق النووي الأميركي عن طريق تعطيل فعالية القوة الروسية وبالتالي إلغاء توازن الرعب بين الكبيرين. حقيقة لا يجهلها خبراء الشأن النووي في واشنطن، ولو جرى حجبها. توجه لا يتفق مع خطاب أوباما. مع ذلك مشى معه وإن مواربة.
فهو يتهيّب القرارات الإستراتيجية. تخونه القدرة على ترجمتها. علماً بأن تخفيف التوتر مع موسكو، مطلب يحظى بدعم قوى ومرجعيات وازنة في واشنطن، ترى أن التهويش ضدّ بوتين لا يقف على أرض صلبة بقدر ما هو تعبير عن بقايا عقلية الحرب الباردة وعن مزايدة سياسية رخيصة. "بوتين رجل شديد التعلق بوطنيته الروسية لكنه ليس معادياً لأميركا والغرب ويمكن العمل معه" حسب شهادة كيسنجر الأخيرة.
وأوباما ليس بعيداً عن هذا التقييم. مع ذلك يترك كل الأمور إلى ما بعد الفوز المنشود. والتجارب تقول، حسب المؤرخين، إن معظم الرؤساء الأميركيين نادراً ما أفلحوا في ولاياتهم الثانية. "غرقوا في المشكلات التي ولدتها الولاية الأولى"، كما يقول جيم هوغلاند، الخبير في "مجلس العلاقات الخارجية" بواشنطن.
سياسة التهرب
عمل أوباما غالباً بسياسة طمر الرأس بالرمل، حيال القضايا الدولية الشائكة. هرب ومسح كل وعوده بالنسبة للدولة الفلسطينية. ألمح أن هذا متروك لما بعد 2012 . ومنذ سنتين قال: إن موضوع العلاقات مع روسيا وإخراج أميركا من ذهنية الحرب الباردة "مؤجل لولايتي الثانية". نجح في الترحيل. لكن إلى حين. فاليوم يحتدم الجدل من جديد في أميركا، حول ما إذا كان المطلوب مواصلة سياسة الاحتواء لروسيا أو استبدالها بالشراكة. هو يريد مغادرة الاحتواء. لكنه تهيّب الحسم والتغيير. وإذا فاز بالتجديد ليس ما يضمن عودته عن هذه الطريق.
خاصة وأن مشكلات أميركا الداخلية تلزمها أربع سنوات مضاعفة مرات عدة لمعالجتها. ومن هنا توقعت دوائر بحثية بأن العلاقات مع روسيا لن تشهد الانفراج قبل أن تشهد مزيداً من التوتر. والصراع حول سوريا احد تجليات هذا الواقع.
