كان هذا الأسبوع أفغانياً بامتياز في واشنطن. جريمة قتل 16 مواطناً في جنوب البلاد على يد جندي أميركي، خضّت كافة الدوائر الأميركية المعنية.
جرى تقديمها على أنها عمل جنوني قام به فرد. لكن الجميع يعرف أنها من إفرازات حرب مفتوحة باتت تلوك نفسها على غير طائل. ربما هي ساعدت على تكبير إشكالات المأزق، خاصة أنها جاءت في امتداد ممارسات عسكرية استفزازية متتالية في الآونة الأخيرة. لكن القلق لا يعود فقط لأن الحادثة فاقعة ببشاعتها وهمجيتها وإحراجها، بل أيضاً وأساساً لأنها جاءت في سياق كاشف وفاضح لحرب تائهة، مما عاد من الميسور لفلفة تخبطها وأعبائها والاستمرار في خطاب تسويغها المألوف. إما النصر وإما المغادرة ، شعار برز بقوة في الأيام الأخيرة.
وهو يلخّص أجواء واشنطن إلى حدّ بعيد. احتمال الحسم متعذر، حسب ما تنطق به تجربة أكثر من عشر سنوات. وثمة توافق عريض في هذا الخصوص. وحدها القوى المحافظة تصرّ على المضي في التصعيد. تتمسك بمدرسة بوش تشيني، لكونها لا تملك غير لغة الحروب في التعاطي مع الخارج، تحت ذرائع وكليشهات شعبوية ينكمش سوقها أكثر فأكثر في أميركا .
بالمقابل، تتزايد الدعوة إلى المغادرة، في صفوف الخبراء والمحللين والمقربين من دائرة صنّاعة القرار في واشنطن. وحتى لدى معظم صنّاعه أنفسهم، الذين باتوا يجاهرون إلى حدّ بعيد بصوابية هذا الخيار. بل التعجيل به واستباق موعده المقرر مبدئياً والضبابي بكل حال في 2014.
إدارة أوباما تعطي إشارات متضاربة. أوساطها حرصت بعد الحادثة المفجعة على تسريب أفكار حول إمكانية تسريع الانسحاب والبدء به، خلال العام المقبل. خصوم الرئيس كانوا له بالمرصاد. شنوا حملة ضدّ التعجيل بزعم أنه يعرّض الأمن القومي للخطر. فضلاً عن أنه هروب ينطوي على رسالة سلبية لا بدّ وأن تعمل طالبان والقاعدة على تثميرها.
على الأثر، تراجعت الإدارة لتعود إلى التمسك بموعدها المبدئي. لكنها تدرك أن الحرب في مأزق، كما يقول بوب وودورد، المحقق الصحافي المعروف بمصادره الرسمية الموثوقة وكاشف فضيحة ووترغيت قبل أكثر من ثلاث عقود. توصيف ينعقد حوله شبه إجماع في أوساط المتابعين لمسيرة الحرب الأفغانية. من الأساس كان قرار مقاتلة العصابات محكوم عليه بالفشل.
كما يقول أحد كبار المحللين. والمعروف أن الرئيس أوباما وافق على التصعيد في هذا الاتجاه، بدفع 30 ألف جندي إضافي إلى ساحة القتال عام2009، بناء على نصيحة القيادة الميدانية الأميركية. خيار يقول الخبير أنطوني كوردسمان في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن، أن حظ نجاحه كان في أحسن الأحوال بنسبة 50% .
كذلك كان حظّ بناء قوة عسكرية أمنية قادرة على مسك الأوضاع وبما يسمح بالانسحاب. موازنتها السنوية 12 مليار دولار، بينما إيرادات البلد لا تتعدّى مليار ونصف المليار من الدولارات. لا هذا ولا ذاك تحقق منه ما يكفي بالحدّ الأدنى. ناهيك بحبل الثقة شبه المقطوع بين كابول وواشنطن.
في ضوء هذا الواقع ولاجتناب الغرق لعقود أخرى في المستنقع الأفغاني، تعمل واشنطن الآن على خطين: 1- ترميم العلاقة ما أمكن مع باكستان. وقد قطع العمل في هذا المجال شوطاً مهماً مع إسلام آباد، حسب المعلومات المتناقلة في واشنطن. لكنه ما زال دون شاطئ الأمان. وليس من المتوقع بلوغه من غير تقديم ثمن لباكستان بحجم نزول واشنطن بثقلها لحمل الهند على القبول بحل مقبول لمسألة كشمير، حسب ما يتردد مؤخراٍ. شرط في أحسن حالاته بعيد المنال.
وما عاد يختلف اثنان في واشنطن على أن الحلحلة في أفغانستان مرتبطة ومرهونة بتعاون باكستان. عقدة تبدو في الوقت الحاضر عصيّة على التفكيك. 2- وفي ذات الوقت ثمة توجه للبدء بعملية لملمة هادئة للقوات الأميركية من مواقع الاحتكاك مع المدنيين في المناطق النائية، بناء على طلب كابول. بل تمهيداً لتقليص دورها القتالي .
وبالتالي سحب القسم الأكبر منها في أقرب ما تسمح به الظروف واقتصار مهمة ما يبقي منها في أفغانستان على التدريب والدعم والدفاع الجوي والاستخبارات. شبه محاكاة لصيغة الانسحاب من العراق.
المؤكد أن اميركا، ما عدا صقورها، تعبت من هذه الحرب العبثية . ولذلك باتت طبخة الانسحاب المبكر على نار حامية. ولو أنها غير مضمونة.
