أفضت المخاوف التي تزداد من أنه لن يكون من الممكن وقف إيران عن سعيها إلى احراز القنبلة إلى ان بدأت تُسمع في المدة الاخيرة في الولايات المتحدة اقوال من مثل: اذا فشل كل شيء آخر فسنستطيع دائما ان نلجم وان نحتوي إيران الذرية.

وفي هذا السياق ينبغي ان نفكر على الخصوص في قضيتين. الاولى هي مسألة صدق الولايات المتحدة في اتجاهها إلى ردع إيران عن ان تهاجم بسلاح ذري. وليس فقط ان كثيرا من الخطوط الحمراء والآجال المسماة التي سمتها الولايات المتحدة لإيران قد تم تجاوزها في السنوات الثماني الاخيرة من الانشغال بجهود إيران لإحراز قدرة ذرية عسكرية، بل ان إيران اذا أحرزت هدفها حقا برغم تصريحات مكررة من الادارة الاميركية بأنها لن تدع هذا يحدث، فستنحط الثقة بالولايات المتحدة في نظر إيران إلى الحضيض.

وينبغي أن نضيف إلى هذا وجها آخر من ضعف الثقة بالولايات المتحدة في المجال العسكري التي أبرزتها في السنين الاخيرة عدة تصريحات من متحدثين اميركيين رسميين بأن استعمال القوة العسكرية على إيران سيكون اشكاليا جدا بالنسبة اليها. وقد عززت هذه التصريحات كثيرا قدرة إيران على ردع الولايات المتحدة وبخاصة لأن السبب الرئيس الذي أُعطي لعدم استعمال القوة على إيران كان الخوف من ان ترد هذه على ذلك ردا شديدا.

مع ذلك يبدو أن إيران مع كل ذلك ستحجم عن هجوم مباشر على دولة أخرى بسلاح ذري. والسبب أن هناك فرقا بين القدرة على ردع دولة في طريقها إلى قنبلة (وهي قدرة ستفشل فيها الولايات المتحدة ودول اخرى في سيناريو إيران الذرية) وبين الردع عن استعمال السلاح الذري بالفعل. فمن شبه المحقق ان تُقدر إيران ان سيناريو استعمالها للسلاح الذري سيكون مدمرا بما يكفي لاثارة رد ذري ويبدو لذلك انها ستحجم عن فعل ذلك.

اذا كان هدف إيران من احراز سلاح ذري هو ان تعزز قوتها وتوسع تأثيرها في الشرق الأوسط، فانها ليست محتاجة إلى استعمال قوتها الذرية للهجوم بل كل ما يجب ان تفعل هو ان تعتمد على عامل الردع لقدرتها الذرية كي تُثبت هيمنتها الاقليمية.

وفي هذه الحال يكفي ان تتخذ إيران سلسلة من الخطوات تكون أقل تحرشا (بدل خطوة واحدة فظة جدا)، لا تكون كل واحدة منها بحد ذاتها متطرفة إلى درجة ان توجب ردا ذريا. وستنشيء هذه الخطوات على مر الوقت تأثيرا متراكما ينشيء من جهته واقعا جديدا في المنطقة، يكون في مصلحة إيران. وفي هذا السيناريو لن تكون سياسة الاحتواء من قبل الولايات المتحدة ذات صلة.

تتقدم إيران نحو إحراز قدرة ذرية عسكرية وتُتخذ خطوات لمواجهتها في الحقيقة، لكنه ليس في برنامج العمل استراتيجية مبلورة يبدو أنها تستطيع ان ترد هذا الاتجاه إلى الخلف. ولا توجد استراتيجية تفاوض فعالة ولا ارادة حقيقية لعملية عسكرية على إيران، لا في إسرائيل ولا في الولايات المتحدة.

ان فرض عقوبات والأخذ بوسائل تخريب يمكن ان يؤخرا تقدم إيران نحو سلاح ذري، لكن لا يمكن ان يغيرا اهتمامها الأساسي بذلك، ولهذا فانهما ليسا بديلا عن استراتيجية تقنعها بأن تغير نهجها. ولهذا فان الاعتماد فقط على عمليات لوقف التقدم الإيراني نحو قدرة ذرية عسكرية ــ أو رؤيتها خطوات ستسبب تغييرا داخليا في إيران ــ سيكون خطأ ذريعا.

ان التطورات الاخيرة في الشرق الاوسط اذا عملت في غير مصلحة إيران ستعزز فقط اهتمامها بالحصول على قدرة ذرية عن تقدير أنها ستستطيع ان تغير قواعد اللعب وإن تغيير نظام الحكم داخل إيران ــ وقد يكون الأمل الوحيد لمضاءلة الخطر المصاحب لنشاط إيران الذري ــ لا يُرى في الأفق إلى الآن.