أطلق عقد الحروب المكلفة والمتعثرة، موجة مراجعة نقدية واسعة للسياسة الخارجية الأميركية، بتوجهاتها ومرتكزاتها الأساسية. ثم جاء تعاطي واشنطن مع التحولات والتغييرات الكبيرة في المعادلات والساحات المهمة، من الصين إلى الشرق الأوسط، ليحفز المزيد من وضع هذا الملف تحت المجهر.

وقد صدر في هذا الخصوص وبالذات منذ بداية «الربيع العربي»، فيض من الدراسات والتحليلات والكتب عن مراكز الأبحاث وجيش الخبراء والمعنيين بأمور السياسة الخارجية ومرجعياتها في الساحة الأميركية.

وينطلق النقاش المستفيض من الانتكاسات التي أسفرت عنها خيارات واشنطن الاستراتيجية الخاطئة، وما تسببت به من أذى لصورة وسمعة اميركا في العالم عموماً، والشرق الأوسط خصوصا. وفي الآونة الأخيرة، طغت هذه السيرة في ظلّ أجواء التوتر المتزايد في أكثر من بؤرة ملتهبة أو مرشحة للالتهاب. وقد توزّعت المداولات على ثلاث مدارس: مدرسة العصا ونقيضها وما بين الاثنتين.

واللافت أنه على تنافرها، يربط بينها قاسم ضمني مشترك، وهو: أن أميركا تمر في حالة «هبوط»، تضافرت مسبباتها المحلية والخارجية لتضع الدولة العظمى في موقع مرتبك بأحسن الأحوال. لكن كل مدرسة ترى هذا الوضع بعدسة مختلفة. كما ترى سياسة أوباما الخارجية بالمنظور نفسه.

 

توجهات مختلفة

المدرسة الأولى، تعبّر عنها قوى اليمين إجمالاً، التي لا ترى سبيلاً لمواجهة التحديات الراهنة بغير العودة إلى سياسة القوة الخالصة. ومن هذا الموقع، تشنّ حملة شعواء على أوباما وتحمّله مسؤولية «التراجع»، بزعم أن إدارته تعاملت مع الملفات الخارجية بكثير من «التهاون». خاصة مع الصين وإيران وباكستان. فهذه الأوساط لا تتقن غير لغة المزايدة والتهويش ضدّ الغير وحتى ضدّ أوباما الذي تصفه بالرئيس «الاعتذاري».

بل يذهب بعضها، مثل المرشح الرئاسي نيوت غينغريتش، إلى حدّ تصنيفه في خانة «الخطر على الأمن القومي الأميركي». وهو صاحب قاموس غني بالمفردات والغمزات العنصرية. لكن خطاب هذه الدوائر معزول نسبياً. فلغة الحرب سوقها كاسدة في الشارع الأميركي.

المدرسة الثانية، ما زالت بحجم الجنين وهامشية التأثير، لأن خطابها يسبح ضدّ التيار. فهي تدعو إلى الانسحاب التام من الخارج ووقف التدخلات في شؤونه: لا حروب معه ولا قواعد فيه ولا مساعدات لبلدانه ومن ضمنها إسرائيل. انقلاب تام يقوده المرشح الرئاسي الليبرالي رون بول، المغرد خارج سربه والمشدّد على وجوب القطع التام مع الماضي وانفلاشاته الخارجية التي كانت «وراء تراجع رصيد أميركا في العالم وتنامي الكراهية لها»، كما يقول.

أما الثالثة فتشتمل على مزيج من التشخيصات لإشكالات السياسة الخارجية الأميركية واستطراداً للتداعيات السلبية التي تسببت بها. يقول المؤلف روبرت كاغن في كتابه «عالم مصنوع في أميركا»، إن الحديث الرائج عن «هبوط أميركا» مبالغ فيه.

ويضيف بأن الولايات المتحدة: «تبقى قادرة على الاحتفاظ باستمرارية وضعها العسكري المتفوق حتى عندما تكون في وضع اقتصادي هابط» كما هو الآن. معادلة تنطق التجربة الأميركية بخلافها. كما ينطق بها الإنفاق العسكري الصيني المتزايد بالاستناد على نمو اقتصادي صاعد.

فعبارة «هبوط» متداولة بأكثر من منظور. الكاتب السياسي المعروف فريد زكريا، يرى أنه «ليس هناك حالة أميركية هابطة بقدر ما هناك حالات دولية صاعدة» قصّرت المسافة بين الدولة العظمى ومن كانوا دونها. اعتراف ملتوي بالهبوط، الذي ينسبه البعض لسياسات أوباما، التجريبية حيناً والتراجعية حيناً آخر. فمن المآخذ عليه أنه لم يجمع بين مقاربته السليمة للشؤون الدولية وبين العمل على تحويلها إلى سياسة ملموسة.

«ربما لأنه يفتقد الشجاعة الاستراتيجية» يقول بريجنسكي، الذي جاءت ملاحظته في سياق الإشارة المكررة والناقدة إلى تراجع الرئيس عن وعوده بشأن الدولة الفلسطينية. أو ربما «لأن سياساته الخارجية ما زالت تشكو من غياب التماسك الاستراتيجي» كما جاء في كتاب «التاريخ الملتوي» للخبراء الثلاثة مارتن انديك، مايكل أوهانلن وكينيث ليبرتول.

 

شبه جمود

وإذا كانت أميركا لا تعاني من «الهبوط» حالياً، فإنها بالتأكيد تعاني من شبه جمود. وهذا رديف للأول، بمقاييس العصر. ينطبق ذلك على الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية. فهي مكبلة بقيود مانعة. صحيح أن السوابق تشهد بقدرتها على لملمة أوضاعها بعد كل أزمة والانطلاق بزخم من جديد. لكنه واقع يؤرق دوائر وأوساط أميركية لا تخفي خشيتها من احتمال تآكل التفوق الأميركي.