كما ذكر طوني بلير على نحو صحيح فان كثيرين من المشغولين بسلب الشرعية من إسرائيل ينكرون هذا بقوة. والأفراد أو المجموعات الذين قصد اليهم طوني بلير يزعمون، وهم يفعلون هذا حقا، أنهم يوجهون انتقادا شرعيا على نشاطات إسرائيل التي تعارض في رأيهم القانون الدولي وتشكل اخلالا بحقوق الانسان الأساسية وتستحق التنديد الاخلاقي من كل جهة أخرى.

 

نقد الشيطان

وعلى هذا فان السؤال المطلوب هو متى يكون رأي أو عمل ما سلبا للشرعية، ومتى يكون الحديث عن انتقاد شرعي لنشاطات حكومة إسرائيل أو سلوكها، أو للمؤسسات الإسرائيلية أو للجيش الإسرائيلي. وقد اقترحت اقتراحات مختلفة بشأن معايير التمييز بين هاتين الحالتين. واقترح نتان شيرانسكي التمييز الآتي: اذا كان الانتقاد على إسرائيل نسبة إلى الشيطنة وسلبا للشرعية (رفض تسويغ وجود دولة إسرائيل) أو كان يقوم على ازدواجية اخلاقية فهو سلب للشرعية حقيقي.

ومهما يكن هذا التمييز مثيرا للعناية وأصيلا فان هذا المعيار لا يجيب على كل حال عن السؤال، لأنه يصعب في ظروف ما ان نحدد بصورة موضوعية هل النقد هو بمثابة نسبة إلى الشيطان أم يعبر عن ازدواجية اخلاقية.

ان إنكار حق دولة إسرائيل في الوجود باعتبارها دولة يهودية (كما تُعرّف بإعلان استقلالها وبقرار التقسيم عن الامم المتحدة)، وكذلك العيب الشامل على طبيعة الدولة هما مثالان واضحان على سلب الشرعية. وان انتقادا من حكومات أو منظمات على نشاطات ما للسلطات في إسرائيل كنشاط الاستيطان هو مثال على انتقاد شرعيتها.

 

الدولة القذرة

ما زالت تُسمع إلى اليوم أصوات كثيرة في العالمين العربي والاسلامي ــ ولا سيما في إيران ومنظمات مثل حماس وحزب الله ــ تنكر حق دولة إسرائيل في الوجود. وتسود العالم الغربي اصوات بقدر أقل ولا تمثل مجموعة ذات شأن، ومع ذلك ينبغي ألا نقول انها غير موجودة على الاطلاق. ان التصريحات المعادية لإسرائيل ليست نادرة في الأحرام الجامعية وفي حلقات ليبرالية خاصة في دول غرب أوروبا بل في الولايات المتحدة.

وتشمل هذه التصريحات في حالات كثيرة جملة كان انشاء دولة إسرائيل خطأ تاريخيا. ومن المفارقة الشديدة ان عددا ممن يعبرون هذا التعبير هم يهود. وأفضل مثال على العداوة الأساسية لإسرائيل في حلقات ما هو في كلام سفير بريطانيا في فرنسا الذي تناول إسرائيل، وإن يكن الكلام قد قيل في عشاء خاص إذ قال هذه الدولة الصغيرة القذرة.

 

اعترافات العرب

على كل حال، ان دولة إسرائيل هي العضو الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكن ان نجد تساؤلات عن مجرد حقها في الوجود. ومع ذلك فان التهديد والتحدي الشديد لسلب الشرعية الذي تواجهه إسرائيل اليوم ليس هو قبل كل شيء تحدي مجرد حقها في الوجود. بل ان أحداث العقود الثلاثة الاخيرة جعلت من الصعب على أعداء دولة إسرائيل ان يشكوا في شرعيتها أو ان يؤيدوا الدعوات إلى القضاء عليها وإن تكن هذه الدعوات ما تزال تُسمع.

ولإسرائيل اتفاقات سلام وعلاقات دبلوماسية باثنتين من جاراتها هما مصر والأردن. وفي مبادرة السلام العربية في سنة 2002 التي حظيت بتأييد جميع الدول الاسلامية تقريبا، تم الحديث عن اعتراف بإسرائيل وعن احتمال انشاء علاقات تطبيع معها. واعترفت م.ت.ف ممثلة الشعب الفلسطيني المعترف بها ــ في وثيقة وقع عليها زعيمها التاريخي ياسر عرفات ــ اعترفت بحق إسرائيل في العيش بسلام وأمن.

 

هدف الحملة

إن حملة سلب إسرائيل شرعيتها المتصلة هي من نوع مختلف. فهدفها هو ان تُعرض إسرائيل على أنها دولة تنقض على الدوام القانون الدولي وحقوق الإنسان وجميع المعايير الدولية المقبولة وعلى أنها دولة تستعمل الفصل العنصري وأنها متهمة بجرائم حرب في نطاق واسع وبجرائم على الانسانية.

وهدف الحملة الدعائية ان تجعل إسرائيل دولة تقصيها أمم العالم كلها وهو ما سيفضي إلى عزلتها المطلقة. وما تزال هذه الأهداف بعيدة جدا عن التحقيق، لكن مع وجود جهود من شتى المنظمات التي تنشط في جهد سلب الشرعية المستمر. يمكن ان نسأل لماذا إسرائيل، وإسرائيل وحدها، هي الموضوع والهدف لحملة سلب شرعية شريرة بهذا القدر.

هناك من يزعمون أنها نتيجة الاحتلال الذي بدأ في سنة 1967 والذي سلب ملايين الفلسطينيين تحقيق حقهم في تقرير المصير. ويزعم آخرون ان سلب إسرائيل شرعيتها ينبع من معاداة سامية طويلة ــ معاداة سامية مسلمة باطنة ومعاداة سامية مسيحية خفية. وعلى حسب هذا التصور فان الهجوم على إسرائيل هو بمثابة نوع جديد مُعدل سياسيا من معاداة السامية التقليدية.