بعد مضي سنة على وضع اتفاقية ستارت بين إدارتي أوباما ومدفيديف، موضع التنفيذ، تتحدث واشنطن عن طرح خفض جديد للأسلحة. المعلومات المتداولة تقول بأن الجهات المكلفة بهذا الملف.

باتت على وشك رفع تقريرها إلى البيت الأبيض حولالبدائل الأخرى للردع والتي على ضوئها يحدد الرئيس ما هو المطلوب في هذا الشأن بما في ذلك كيفية اللجوء إلى السلاح النووي لو لزم الأمر . وفي هذا الإطار، من المتوقع أن تتناول التوصيات والخيارات المتاحة، عدد الرؤوس الفائضة وسبل الاستغناء عنها.

في هذا الصدد، هناك همس مستقى من تسريبات رسمية على ما يبدو، حول إمكانية أن يمضي أوباما في طريق تقليص الترسانة ولو من جانب واحد، إذا لم تتجاوب موسكو. أدّى ذلك إلى ارتفاع حرارة الجدل بين المؤيد والمعارض لمثل هذا التوجه.

مما يشير إلى بداية تخلخل مفهوم الردع النووي المتبادل، الذي بدأ بعد أكثر من نصف قرن، يفقد أهميته ومبرراته. فالتجربة أثبتت أن هذا السلاح يكاد يستحيل استخدامه. خاصة بين الكبار الذين لم ولن يقدموا على الانتحار الجماعي.

وإذا كان الأمر كذلك، فما الحكمة من الاستمرار في تكديس آلاف القنابل التي لا حاجة لقسم كبير منها ؟ سؤال كان من الممنوعات في زمن الحرب الباردة، صار اليوم على الطاولة؛ ولو أن الاعتراض عليه ما زال وازناً. خاصة في صفوف عتاة المحافظين في أميركا.

مسألة مزمنة

الحدّ من الأسلحة النووية، مسألة مزمنة بين واشنطن وموسكو. حكمها الارتياب المتبادل باستمرار. حتى اتفاقية ستارت الأخير جاءت بعد مفاوضات متعثرة. هبط بالعدد إلى 1550 من الرؤوس النووية لكل طرف، مع حصر نشرها وتوزيعها على 700 قاذفة وصاروخ. وهي انجاز مقارنة بالسابق.

لكن الرقم ما زال يزيد عن الحاجة والإمكانيات. فإذا رأى الرئيس الأميركي والجهات المختصة بأن المطلوب يتحقق بعدد من الرؤوس أقل مما حدّدته ستارت، فما المشكلة في الخفض ؟ يقول الخبير ستيفن بايفر في ردّه على المعترضين واليمين المهووس بتكديس الأسلحة:

هناك سوابق، ففي عام 1991 أقدم بوش الأب على إغلاق جميع قواعد الأسلحة النووية التكتيكية، الأرضية والبحرية؛ من غير أي اتفاق مع السوفييت آنذاك. بعد أيام فكّك غورباتشوف أسلحة مماثلة وألغى وضع 500 صاروخ في حالة التأهب. فالسلاح النووي يحتاج إلى تحديث وصيانة بمئات الملايين من الدولارات. واللحظة المالية ضاغطة في واشنطن.

ثم إن البنتاغون يعتزم في السنوات القليلة المقبلة على إعادة تمويل المثلث الاستراتيجي: أسطول القاذفات النووية الجوي، الصواريخ العابرة للقارات، والغواصات المزودة بصواريخ نووية. تقليص الترسانة من شأنه أن يؤدي إلى خفض الإنفاق على هذا المثلث.

الفارق المالي يذهب إلى الثلاثي التقليدي الذي اعتمدته إدارة اوباما، والذي شدّد عليه رئيس الأركان الجنرال مارتن دامبسي أخيرا : العمليات الخاصة، والطائرة الصامتة الموجهة عن بعد، والدور الاستخباراتي. خاصة دور السي أي إيه. وبذلك فالحافز المالي حاضر في المضي بالخفض النووي.

 

مأزق الكبار

وقد فرضت إعادة هيكلة القوة النووية نفسها ولو ببطء برغم الشكوك المتبادلة بين البلدين. حجم الترسانة، السابق والحالي، ترتبت عليه أعباء ومخاطر جعلت الكبار في مأزق. وفي مقدمة ذلك انتشار هذا السلاح. لم يعد بوسع واشنطن وموسكو التبشير بفضائل الابتعاد عن هذا الشرّ.

وفي الوقت ذاته، يحتفظ كل منهما بأكوام من القنابل كافية لتدمير المعمورة. هناك صعوبة في ذلك. خاصة وأن ثمة استثناءات مفروضة. لا يستوي صيف وشتاء على سطح واحد في هذا الموضوع. نووي إسرائيل ممنوع ذكره. ناهيك ضبطه، على الأقل تحت سقف وكالة الطاقة الدولية.

علاوة على ذلك وربما قبله، صارت مسألة السلاح النووي كرادع ملتبسة. ما هو القدر المطلوب من هذا السلاح لامتلاك ردع فعّال ؟ يتساءل بايفر. سؤال له جدارته. الجواب مفقود، فعلى الرغم من أنه معروف لكنه محجوب. الأمر المعلوم الذي لا يقوى أحد على حجبه هو أن الرؤوس النووية المكدّسة في الترسانات كانت وباقية عاطلة عن العمل.

ما عدا في حالات الجنون، يستحيل الكبس على زنادها بين واشنطن وموسكو. من هنا البداية والنهاية، إذا أتت يوماً. الرئيس أوباما تحدث في خطاب شهير له مع بداية ولايته، عن عالم يخلو من أسلحة الدمار. وعد بالعمل في هذا الاتجاه. هل يقدم على خفض موازن باتفاقية ستارت جديدة أو بدونها؟ قد يتردّد تحت ضغط الحسابات الانتخابية. لكن إذا أقدم فلا بدّ ن تسجل له.