بدا المشهد أقرب إلى المزايدة بين موسكو وواشنطن في التعبير عن الحرص المزعوم على سوريا. علّلت موسكو الفيتو الذي استخدمته ومعها الصين في مجلس الأمن مرتين في غضون أربعة أشهر، بأنه كان دفاعاً عن سيادة سوريا.

وفي المقابل ادّعت واشنطن أن دعمها للقرارين كان من باب الحرص على حرية وحقوق الشعب السوري. الحقيقة أبعد من الزعمين. كل طرف له حيثياته المبطّنة. فاللاعبون الثلاثة الكبار معنيون في الأساس بمعركة أشمل وبتجاذب يتأرجح بين التشبث بمعادلة قائمة منذ أكثر من عقدين، على الرغم من كل ما فيها من خلل يؤشر إلى فوات أوانها، وبين بلورة أخرى جديدة تعكس توازنات ومستجدات الألفية الثالثة وضروراتها.

وقد بلغ الصراع مرحلة متقدمة من التموضع المتبادل ومحاولة تركيز الوقائع وعناصر المنافسة. ودار هذا الصراع ولا يزال، في أكثر من ساحة، جيوسياسية وعسكرية ومالية ودبلوماسية. مجلس الأمن كان أبرزها في الآونة الأخيرة، حيث أخذت المواجهة بين الجبهتين طابع معركة كسر عظم.

مع أن القرارات التي طرحت في صيغتها النهائية، كانت بلا أسنان وأقرب إلى الرمزية ولا تستوجب بحدّ ذاتها، كل ما شهدته الجولة من شحن وتوتر. وبالفيتو أرادت موسكو وبكين بعث رسالة شراكة دولية. بل إعلان عن ولادة قطب ثنائي دولي لتحقيق قدر من التوازن مع واشنطن. وبالذات في الشرقين الأوسط والأقصى. وهو استقطاب قد يؤدي إلى حرب باردة من نوع جديد، أو إلى حروب إقليمية بالوكالة.

 

بعد وفاة القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بعرش الزعامة الدولية، ساد الاعتقاد لدى دوائر وقوى أميركية عديدة بأن هذا الموقع بات معقود اللواء لواشنطن وحتى زمن مديد. شعور بالتمايز قاد واشنطن إلى التفرد في الخارج، كما في البلقان ، وإلى الانفلات العسكري ، كما في حرب العراق ، والمالي، كما في زلزال 2008.

 

تعدد القطبية

بعد الانكشاف في هذه الساحات والذي تزامن مع صعود سريع ومبهر لدول هامة مثل الصين والبرازيل والهند وغيرها، بدأت تصدر أصوات حتى في أوروبا، تنادي بالحاجة لعالم متعدد القطبية. فالقطب الواحد متخبط ومستأثر، والتحديات باتت أكبر من قدرته على مواجهتها. وكان الرئيس الفرنسي شيراك من أوائل الذين تحدثوا بهذه اللغة.

لكن واشنطن تشبثت بالأحادية القطبية، من دون أن تقوم بالإصلاحات والتغييرات الضرورية. رفضت المسّ بالنظام المالي الموروث. انعقدت أكثر من قمة لمجموعة العشرين، لكن من غير أي نتيجة. الاقتصاد العالمي ما زال يعاني من وطأة الأزمة التي ولدت من رحم هذا النظام وفي عقر داره الأم.

العلاقة مع موسكو بقيت فاترة ومحكومة بالارتياب المشترك. الانفتاح الموعود الذي بشّر به الرئيس أوباما، عجز عن الإقلاع. يشكو الروس من ما يسمونه تطويقاً لمصالحهم في الجمهوريات السوفييتية السابقة وفي أوروبا، من خلال الناتو وشبكة الدرع الصاروخي الواقي، التي لا تزال محاطة بالغموض.

العلاقة مع الصين ليست بأفضل، هي الأخرى بالرغم من حجم المصالح الاقتصادية الضخمة التي تربط البلدين. الصعود العسكري الصيني، على تواضعه مقارنة بالقوة الأميركية، حمل واشنطن إلى الرد عليه بإستراتيجية جديدة قامت على نسج تحالف إقليمي خاص، ورفع العلاقة العسكرية مع أستراليا.

وتعزيز القاعدة العسكرية الأميركية في جزيرة غوام، التي تقرر نقل حوالي 8 آلاف من قوات المارينز المرابطين في اليابان إليها. الأجواء في أميركا ناقمة جداً إن لم تكن معادية للصين، لأسباب كثيرة. منها أنها افتعلت خفض قيمة عملتها بغية ترجيح الميزان التجاري لصالحها.

 

معركة الفيتو

على هذه الخلفية جاءت معركة الفيتو الأخيرة. كانت بمثابة تسديد جزئي لحسابات متراكمة. لكن الأزمة أعمق. تكمن في المقاربة العامة للتوازن الدولي. المشكلة، في الجانب الأميركي أنه لا يزال أسير صورة الظافر المتمايز التي انتهى زمانها ، كما يقول المحلل والخبير فريد زكاريا. فالقرن الراهن هو عصر التعدّد .

وثمة آخرون يشاركونه هذا النظرة بدرجة أو بأخرى. المفكر الاستراتيجي زبغنيو بريجنسكي دعا مراراً إلى وجوب الاعتراف بدور الآخرين كالصين والتعاون معها في مجالها الجيوسياسي الحيوي. والمشكلة في الجانب الروسي الصيني أنه يرد الصاع لواشنطن حيث يتيسر له، كما حصل في مجلس الأمن، تحت مزاعم واهية خدمة لحساباته. وواشنطن ليست مقصّرة هي الأخرى في مثل هذه الممارسة. الفيتو الذي استخدمته العام الماضي ضد قرار بإدانة المستوطنات الإسرائيلية، آخر الشواهد.

في الحصيلة، أضحى المجلس الضحية. وكذلك الذين تحولت ساحاتهم إلى ملاعب تجري فوقها المباريات الدولية المختلفة.