إعلان إدارة أوباما، أخيراً، عن عزمها وقف «الدور القتالي» للقوات الأميركية في أفغانستان في عام 2013، كان له وقع المفاجأة في واشنطن. إذ لم يكن متوقعاً. صحيح أن الخطوة تنسجم مع التوجه الجديد للإدارة، بعد فتح المفاوضات مع طالبان. لكن الموعد سبق وتقرر ليكون في 2014. تقديمه مع التفاوض وضع الحرب في سياق مختلف، وفتح الباب أمام تفسيرات وتوقعات اختلط فيها التساؤل بالخشية.

 ولو أن الإدارة الأميركية أرادت به تسريع المرحلة الانتقالية، للخروج من الحرب ــ الورطة. أو على الأقل، لتقليل خسائرها والتكاليف الباهظة لتلك الحرب. ومن حيث المبدأ، فإن أي توجه من هذا النوع يلقى التأييد العارم في الساحة الأميركية. ويعارض نحو 70% من الأميركيين مواصلة هذه الحرب. باستثناء القوى العسكرية المحافظة. والإدارة تعزف على هذا الوتر، عشية الانتخابات.

عوامل جوهرية

لكن الاستعجال بالصيغة التي تمّ إخراجه بها، بدا محكوماً بأكثر من الاعتبارات الداخلية، المالية والانتخابية، على أهميتها. سنة واحدة لا تقدم أو تؤخر في حرب تجاوزت السنوات العشر. فقد فرضت عوامل عدة تقليص المدة، على رأسها التخبط في صفوف قوات التحالف والناتو بشكل خاص. والتأفف المزمن من أعباء هذه الحرب، والتخوف من سقفها الزمني المفتوح، وقد ترجمت فرنسا ذلك أخيراً بإعلانها عن قرار سحب قواتها في 2013.

الانزعاج من هذا الموقف، كانت علاماته واضحة في واشنطن. والمتوافق عليه في إطار "الناتو"، أن مثل هذا القرار ينبغي اتخاذه بالإجماع. كسر القاعدة، يؤشر إلى وصول الإنهاك إلى آخر حدود الاحتمال لدى الحلفاء المتوقع أن تحذو غالبيتهم حذو فرنسا.

ويرى بعض العارفين بالشأن الأفغاني، أن استباق مثل هذا الزحف المتوقع، كان من بين الدوافع التي حملت واشنطن على الإسراع في تقديم الموعد، حتى لا يبدو وكأنه انشقاق واسع في جدار الحلفاء تحت قيادتها. وتحت ضغط هذه الحاجة جاء تحديد 2013 من غير تقديم خطة متكاملة واضحة المعالم لطي صفحة "الدور القتالي".

وهو تعبير غامض فيه فجوات كثيرة، دفعت العديدين، مثل الخبير الإستراتيجي انطوني كوردسمان، إلى وضع الخطوة في خانة التخبط والارتباك. يقول في هذا الصدد: "إن أميركا لم يكن لديها قط خطة إستراتيجية واضحة لما تريده في أفغانستان. كل ما طرحته كان محاربة الإرهاب. وهو تعبير مطاط".

ومن هنا كان استحضار السيناريو العراقي، من حيث ما تركته عملية الانسحاب من أمور معلّقة، لا تزال تنذر بعواقب وخيمة لو تعذرت معالجاتها. ويخشى تكرار الأمر نفسه في أفغانستان. وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا تحدث عن نهاية لهذا الدور من دون تحديد مهمة القوة المزمع تركها هناك للقيام "لأغراض التدريب والعمليات الخاصة وتقديم الدعم في الحالات الطارئة".

دور قتالي مموّه ، ثم إنه لم يقل شيئاً عن مدى جاهزية القوات الأفغانية للنهوض بالدور الأمني المطلوب، والذي يقول الخبراء الأميركيون: إنها لن تكون عند المستوى اللازم حتى في عام 2014. والمعروف أن السلطات الأفغانية لا تري تحقق هذه الإمكانية قبل 2020.

 

لماذا العجلة؟

لماذا العجلة إذن ؟ يربط محللون بين الرغبة في مغادرة المسرح الأفغاني بما تيسّر وبين أمرين: المفاوضات مع طالبان وتطورات متوقعة أو مرجّحة فوق المسرحين الخليجي والعربي. الأولى اقتضت تقديم سلفة لتشجيع طالبان على ولوج باب المخرج السياسي بجدية، تعرف واشنطن أنها لن تتحقق من دون دور باكستاني يجري التفاهم مع إسلام أباد حوله.

تعيين 2013 موعداً للانسحاب أرادت به واشنطن دليلاً على جديتها على أمل المعاملة بالمثل من الجانب الآخر. الثانية، تتطلب الخلاص السريع من أفغانستان. أو في أقله وضع عربة الحرب على سكة الخلاص القريب. فهذه الحرب باتت بحدّ ذاتها عبئاً مفتوحاً ومقيّداً لأميركا.

خاصة وأن خفض حجم القوات الأميركية المقرر، ما عاد يسمح بخوض حربين في آن. في أفضل الأحوال "يسمح بواحدة مع القدرة على الردع فقط في ميدان آخر"، حسب تقدير أحد الخبراء العسكريين المتقاعدين. الساحة المرشحة، سبق للوزير بانيتا أن أشار إليها عندما تحدث أخيراً عن احتمال ضرب إسرائيل قريباً للمنشآت النووية الإيرانية. ولو أن أجواء واشنطن تستبعد بقوة وقوع مثل هذه المواجهة في وقت قريب.

دنيس روس المعروف بقربه الوثيق من دوائر القرار الإسرائيلي، عاد وأكد، خلال ندوة له في مؤسسة بروكنغز للدراسات،أخيراً، هذا الاستبعاد. لكن هذا الآن وليس بالضرورة في كل آن. فلا يختلف اثنان في واشنطن على أن الأوضاع في المنطقة زئبقية ومفتوحة على المجهول، وربما تكون قد ساهمت في تعجيل اللملمة من أفغانستان.