الموسم انتخابي بامتياز، هذه الأيام، في الساحة الأميركية. سيرته طاغية على عالمي السياسة والإعلام في واشنطن. متابعة جولات التصفية بين المرشحين الجمهوريين، تشغل كافة الأطراف .

 التركيز في الحملة يدور بالدرجة الأولى، حول الملفات والقضايا الداخلية. نادراً ما يتوقف عند الشؤون الخارجية. وإذا فعل فبصورة عابرة واستعراضية. فقط لتسجيل موقف يزيد من تلميع صورة المرشح. لكن خارج د ائرة الحملة، يحتل هذا الملف واجهة الجدل والنقاش، في أوساط النخبة من خبراء السياسة الخارجية ومرجعياتها والمعنيين بها في مراكز الأبحاث والدراسات والوسط الأكاديمي.

يجري ذلك على قاعدة الاعتراف بأن صورة أميركا تهشّمت وثقلها تناقص، جراء الانتكاسات التي تسببت بها سياسات التهور المالي والعسكري التي تفاقمت خلال العقد المنصرم. الأمر الذي يملي الحاجة لإعادة صياغة المقاربات والتوجهات والسياسات، وبالتالي إعادة تحديد دور أميركا في العالم، على أساس المتغيرات المتوالية والمتسارعة فصولها. مراجعة مكثّفة تسبق الاستحقاق الرئاسي في نوفمبر المقبل، تأمل كل جهة أن تكون المرشد في هذا المجال، للإدارة القادمة.

 

مدرستان معروفتان

تتوزع المراجعة على المدرستين المعروفتين: اليمين المحافظ وندّه اليسار بالمقاييس الأميركية الليبرالي. الفارق هذه المرة أن كلا الخندقين محتقن ومتوتر ونافر من الآخر، كما لم يكن من قبل. القاسم المشترك الوحيد بينهما، هو التسليم بأن الدولة العظمى تمرّ في حالة ركود، لكن لكل جهة معالجتها المتعارضة مع الآخر.

الأول، بقيادته في الكونغرس وبمرشحيه للرئاسة، مع منظريه في السياسة والاقتصاد ودوائره الإعلامية، يرفع شعار العودة إلى الأصول ، حسب قول رومني وغيره من القيادات. أي إلى القديم الذي وضع أميركا على سكّة التفوق . التردّي القائم، كان نتيجة لمغادرة هذا الخط، يزعم عتاة المحافظين.

لا يوجد في قاموس هؤلاء شيء يدعى التغيير. كما لا يرون في أميركا أي علة. الخلل في الغير. فقط انحرافها عن خطّ الأوائل، أدّى إلى الشطط ومشكلاته المتراكمة التي بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة.

وطبعاً يلصقون كل هذه المصائب بأوباما اليساري والاشتراكي والمعادي لأميركا ! وفق تصنيفات رموز اليمين الكاسر من أمثال آن كولتر وراش لامبو وبيل أوريلي وغيرهم. تحت هذه الشعارات يخوض الحزب الجمهوري معركة الرئاسة. حملة شعواء ليس فقط للفوز بالبيت الأبيض. بل أساساً لاستعادة موقع أميركا الحرب الباردة في الخارج والمتخففة من دور الدولة الراعية في الداخل.

في المقابل يتولى الفريق المناهض لمثل هذا التوجه، عبر أدبياته ووسائله المختلفة، تفنيد هذا الطرح الذي يختلط فيه الحنين إلى الماضي مع التنكر لموجبات التكيّف مع معطيات العصر وحقائقه.

 

التوازان المطلوب

يقول أستاذ العلاقات الدولية تشارلز كوبشن، في جامعة ديوك: على أميركا أن توازن في سياستها الخارجية بين التزاماتها الإستراتيجية وبين مصالحها وإمكاناتها وإرادة الأميركيين. وهي مطالبة بالعمل مع القوى الدولية الناشئة في العالم . فلا يجادل أحد، سوى المنعزل والمكابر، في أن أميركا لم تعد لوحدها في الساحة.

كما لا يتردّد أحد، سوى بقايا المحافظين - المغامرين الجدد من أمثال تشيني- في أن الرعونة والفوقية التي حكمت السياسة الخارجية خلال العقد السابق، مسؤولة إلى حدّ بعيد عن كثير من جوانب الوضع الكارثي الذي ينزل بثقله على الوضع الدولي. خاصة في الشرق الأوسط. تقول روزا برووكس أستاذة القانون في جامعة جورج تاون بواشنطن:

علينا الإقرار بأخطائنا وبنفاقنا، والتسليم بأننا ما زلنا عاجزين عن حلّ الكثير من مشكلاتنا. ثم أننا لم نبن ديمقراطيتنا بين ليلة وضحاها. بل تطلبت قروناً وما زالت ناقصة، فلماذا نعتقد بإمكانية نقلها إلى مجتمعات أخرى بين ليلة وضحاها ؟. كلام قيل مثله الكثير في سياق نقد سياسة التدخل.

كما تتوالى التحذيرات من الاستفراد وضرورة التعاون والتسليم بدور الآخرين في حيزهم، مثل الصين، حسب بريجنسكي. فالعالم يتغير وأميركا لم تعد نقطة المركز فيه كما يقول الباحث بروث جانتلسون. ويضيف لم نعد نسيطر على الدبلوماسية الدولية ولا على الاقتصاد.

وقوتنا العسكرية ما عادت، بالرغم من تفوقها الكاسح، الرقم المركزي في المعادلة كما كانت أثناء الحرب الباردة. فلا القرن الراهن قرن أميركي ولا قرن صيني . ضمناً هو قرن القطبية المتعددة. قراءة سبق وتحدثت عنها دول أوروبية، لكنها لاقت آنذاك الامتعاض في واشنطن. الآن تنطق بها مرجعيات أميركية، باتت تدرك أن القواعد والمسلمات السابقة نفذ وقتها ولو أن المحافظين ما زالوا متشبثين بها.