في كل أزمة ومشكلة، تفرض الوقائع العنيدة على الأرض حضورها في نهاية المطاف، وتملي وجهة وأولويات الحلول،. وحرب أفغانستان لا تشذ عن هذه القاعدة. أهم هذه الوقائع وباعتراف واشنطن، أن الحلّ العسكري لهذا النزاع غير متيسر. وثانياً أن المخرج من المستنقع الأفغاني متعذر إلاّ بتسوية سياسية تحظى بدعم وتعاون باكستان

. الشق الأول جرى التعامل معه بشراء الوقت وبالتعويل على التفوق الميداني للقوات الأميركية الذي كفل ردع طالبان ومنعها من استعادة زمام الأمور لا أكثر، وحتى إشعار آخر. الشق الباكستاني، عملت واشنطن على تحقيقه بمزيج من الضغوط والمساعدات. الحصيلة كانت المزيد من التأزم بين واشنطن وإسلام أباد، وليس التفاهم.

الأسباب والموانع كثيرة ومتداخلة، من تعقيدات الساحة الباكستانية السياسية والعسكرية إلى الاعتبارات والحسابات الإقليمية لكلا الطرفين. لامست العلاقات بينهما حدود الانفجار. عودة كل طرف إلى حساباته الأساسية وحاجته الماسة إلى الآخر، كفلت ضبط التوتر في كل مرة، وبما يبقي على الجسور المفتوحة بينهما.

لكن هذه المعادلة ما عادت محتملة. التعب قاسم مشترك بين أطرافها الثلاثة. التسوية هي البديل المتاح، بل الوحيد. عجّل في البحث عنها عاملان: اقتراب موعد بدء الانسحاب الذي التزم به أوباما، مطلع الصيف المقبل. وكذلك موعد الاستحقاق الانتخابي الأميركي، في نوفمبر المقبل.

كل ذلك، تمخّض عن ولادة مشروع المفاوضات المباشرة، التي كان إعلان موافقة طالبان عن فتح مكتب لها في قطر أول تعبيراته الملموسة. صحيح هي بداية حذرة وهشّة، بحكم الخلفية المعروفة والهوة الواسعة. لكنها خطوة نوعية، ما كانت واردة قبلاً. وإذا كان هناك تفاؤل ولو شديد التحفظ في واشنطن، فهو يعود أساساً إلى أن كل المعنيين ركبوا قطار التسوية. أو على الأقل أعربوا عن استعدادهم لمواكبة رحلته.

وبرغم التخوف من الفشل، يقول عدد من الخبراء في الشأن الأفغاني الباكستاني، ما كان جرى الكشف عن الموضوع لو أن حظ كفة النجاح ضعيف. ترجيح وإن كان غير مضمون، لا يتحقق في غياب العامل الباكستاني. ووقائع الصيغة المطروحة تنطق بذلك.

فحسب المعلومات المتداولة والمنسوبة إلى جهات أميركية رسمية، أخذت رحلة التمهيد لخيار التفاوض أكثر من سنة، تخللتها لقاءات سرية جرت بين ميونيخ والدوحة، بين ممثل للملا عمر ومسؤولين أميركيين. تواصلت جولاتها بالرغم من المطبّات المعهودة في مثل هذه الحالات.

الأهم أن عملية تركيب طاولة التفاوض استمرت على الرغم من محاولات نسفها، مثل صدمة اغتيال برهان الدين رباني وحادثة قصف الحاجز العسكري الباكستاني والتي أدت إلى مقتل 26 جندياً ودفع التوتر بين واشنطن وإسلام أباد إلى درجة غير مسبوقة. مع ذلك تواصلت هندسة الصيغة، إلى أن بلغت نقطة المكتب، وما رافق ذلك من تنازلات وتراجع عن شروط مسبقة ومتبادلة بين واشنطن وطالبان.

بيد أن هذه التراجعات على أهميتها، لم تكن قادرة على كسر الجمود لولا المباركة العسكرية الباكستانية. يشير إلى ذلك أن الملا عمر أشرف على الحوار من مقر إقامته في باكستان، حيث كان يلتقي بمندوبه هناك بعد كل جولة. ثم أن ردّ الفعل السلبي والغاضب الذي صدر عن الرئيس الأفغاني حامد قرضاي حول المكتب، يصب في هذا الاتجاه. وكأنه رأى في ذلك محاولة تمرير تسوية مثلثة، أميركية طالبانية باكستانية، على حسابه. وهي تبدو كذلك إلى حدّ بعيد.

واشنطن تتحدث عن مفاوضات تحظى بدعم كابول. لكن الأمور لا تجري بالضرورة على هذا الأساس. علاقتها مع الرئيس قرضاي أكثر من فاترة. ثم هي تبحث عن انسحاب غير بعيد، ضمن معادلة سياسية متوازنة، لا تعيد الماضي وتكون مقفلة أمام أية علاقة مع "القاعدة".

ومثل هذا التدبير ضمانته الوحيدة إسلام أباد. وعلاوة على ذلك، وفي الوقت الذي تصيغ واشنطن استراتيجية تقوم على ثنائي الردع والحرب من بعيد إلاّ إذا فاز الجمهوريون وجاء أحد صقور اليمين منهم إلى الرئاسة ووضع نهاية لحروب الاحتلال المباشر، بدأ يتجه التركيز والتصويب نحو باكستان باعتبارها أحد أخطر البؤر المرشحة لتطورات قد تكون لها عواقب مخيفة.

بلد يملك ترسانة نووية تحوي بين مئة ومئتي قنبلة، يحكمها قرار ملتبس بسبب الأعطال المستعصية لآليات الحكم وثنائيته العسكرية المدنية. في ضوء ذلك، يبدو أن مدرسة التفاهم مع إسلام أباد، بل التعاون معها، قد رجحت في واشنطن على الرغم من كل التأزم الأخير. والتعاون معها في أفغانستان خيار يوفر المخرج من هذه الحرب وفي الوقت ذاته يبقي واشنطن على مقربة من القوة النووية الباكستانية.