الضجة التي أثارها إعلان الرئيس أوباما عن برنامجه لخفض موازنة البنتاغون بحوالي 480 مليار دولار موزعة على مدى عشر سنوات، مفتعلة وانتخابية إلى حدّ بعيد. فحجمها لا يستحق الهالة التي أحيط بها. كما لا يبرّر الصراخ الأشبه بالمناحة الذي اتسم به ردّ اليمين المناوئ للرئيس أوباما. في كليهما مبالغة.
كلّ له حساباته. البيت الأبيض سعى ليبدو أوباما أنه الرئيس الذي يقتحم ما كان يعتبر عادة في خانة الممنوعات، لتقليص العجز في الموازنة. وخصومه أرادوا تلبيس الرئيس تهمة التفريط بالأمن القومي والتفوق العسكري. لكن لا اقتحامه جاء عند الحدّ المطلوب، ولا زعم المحافظين يمت إلى الحقيقة بصلة. فالإنفاق الحربي باق على حاله في الجوهر والأساسيات. والتفوق العسكري الأميركي باق هو الآخر على حاله وإلى حين. الخفض طال الزوائد والهدر وغير اللازم. والأرقام على أهميتها، هي أقرب إلى الخدش منها إلى القطع.
في زمن الخلاف العميق بينها حول كل شيء، لا تلتقي الأطراف السياسية الأميركية إلا حول موضوع واحد: حصة البنتاغون من الموازنة. كلاهما لا يريد مسّها. لكن كليهما يدرك أن الظرف المالي الضاغط يقضي بتقليص ما يفيض عن الحاجة فيها. فلا يستقيم أن يطول الخفض كافة بنود الإنفاق ما عدا الدفاع. خاصة وأن موازنته تقضم الجزء الأكبر، بعد التعليم، من الموازنة الفيدرالية.
في العام المنصرم، وافق الكونغرس على اقتطاع 500 مليار دولار من ميزانية البنتاغون، على مدى عشر سنوات.
وقبل أيام أضاف أوباما ما يوازي هذا المبلغ، الذي قد يأخذ طريقه إلى التنفيذ بعد سنة، في حال عدم حصول توافق بين الديمقراطيين والجمهوريين، بشأن العجز السنوي. وحتى لو حصل ذلك وصار الخفض مئة مليار سنوياً، تبقى حصة البنتاغون في الموازنة في حدود نصف تريليون دولار.
أي ما "يوازي ما تنفقه عشر دول مجتمعة" من البلدان المقتدرة، بتعبير الرئيس أوباما. "فمازلنا نملك مساحة فائضة للتحرك" العسكري، كما قال لورانس كورب، الخبير في مؤسسة "المركز الأميركي للتقدم" للأبحاث بواشنطن، عندما سألته "البيان" عن تقييمه للخطوة وآثارها. ويرى أن الخفض جاء "أقل من المطلوب خاصة لجهة عدد القوات".
والمعلوم أن حجم هذه الأخيرة ارتفع في العقد الأخير "من أقل من نصف مليون إلى 570 ألف جندي.
ومن المقرر، حسب مشروع أوباما ووفق ما تناقلته المصادر، خفضه إلى "حوالي 520 ألفا"، وفق ما تناقلته المصادر، إذ أن التفاصيل مازالت طي الكتمان. وحتى هذا العدد يفيض عن الحاجة "لأن الحروب الأخيرة انتهت، والتعويل على التكنولوجيا في العمليات العسكرية صار هو النمط"، كما يرى د. كورب.
وقد التقت معه في التقويم، جهات ومرجعيات كثيرة في واشنطن. فهناك تسليم واسع بأن العقيدة التقليدية المعمول بها منذ الحرب الباردة والقائمة على وضع الخطط العسكرية وموازناتها على أساس تمكين القوات المسلحة من خوض حربين في آن معاً، قد ولّى زمانها. لا يوجد داع لها ولا قدرات مالية لمتابعتها. "ليس ما يدعو إلى التخوف من مثل هذا الخفض. ما يقلق، هو نقل التركيز البحري من الشرق الأوسط إلى بحار آسيا"، يقول مايك أوهنلن، الباحث المسؤول عن الشؤون العسكرية في مؤسسة بروكنغز بواشنطن. يبقى لدى البنتاغون "القدرة على الدخول في حرب والقيام بالدور الرادع معاً ".
ويذكر أن إدارة أوباما قرّرت ترجيح كفة التواجد في المحيطين الهادئ والهندي، "لتحجيم التمدّد البحري والعسكري الصيني".
مع ذلك صوّر المحافظون هذا الخدش المتواضع، قصة أمنية خطيرة. عملوا من الحبة قبة. مع قناعتهم، ما عدا المهوسين منهم، بأنه لا مفرّ منه ولا تأثير له على مستوى التفوق. لكنها مزايدة سياسية انتخابية. وحتى الرئيس ليس بعيداً عن مثل هذا الغرض. صحيح أنه قصقص جناح البنتاغون ولو على الأطراف، ووعد منذ البدء بطي صفحة بوش وحروبها.
لكن مقاربته الجديدة، إذا جاز التعبير، ليست في أحسن أحوالها سوى صورة معدّلة عن الإستراتيجية العامة المعمول بها. ذهابه غير الاعتيادي في مثل هذه الحالات إلى مبنى البنتاغون للإعلان عن خطوته في مؤتمر صحافي، كان عملية محسوبة وفي هذا الوقت بالذات عشية نزوله إلى الساحة لإطلاق حملته الانتخابية غايتها تعزيز رصيده الانتخابي في المجالين الخارجي والأمني. هي سياسية أكثر مما هي إستراتيجية.
