مثل كل مرة في مثل هذا الوقت تتدفق التوقعات والقراءات المسبقة لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في المشهدين المحلي والدولي، خلال السنة الجديدة. يشمل ذلك مروحة واسعة من الملفات والاستحقاقات والمخاضات مع العلاقات التي تحكمها والسيناريوهات المحتملة لتطوراتها ومعالجاتها.
في القلب منها هذا العام تأتي الانتخابات الأميركية وتوابعها السياسية والاقتصادية، الأزمة المالية الأوروبية، الشأنين الصيني والروسي وعلاقات واشنطن مع كل منهما، فضلاً عن الربيع العربي ومجرياته والتعاطي الأميركي مع سائر محطاته. استكشاف الآفاق وتحديد المسارات في هذه المجالات بقي أقرب إلى التحفظ والتمسك بالمقاربات المألوفة.
ويعود ذلك ليس فقط إلى تعقيدات المعادلات بل أيضاً إلى طبيعتها الزئبقية، كونها في حالة عبور من حال إلى أخرى غير محسومة صيغته بعد. و2012 ليس مرشحاً ليكون أكثر من محطة انتقالية. الجديد الفعلي المتوقع أن يشهده هذا العام يتصل بالجانب العلمي الذي يبدو أنه على موعد مع فتوحات غير مسبوقة. وربما مذهلة، مثل اكتشاف كوكب صالح للحياة كالأرض، يبشر العلماء بقرب لحظة زفّ خبر العثور عليه.
وجرياً على العادة، رافقت الإطلالة على العام الجديد موجة تكهنات بعضها أقرب إلى التنجيم والشعوذة. فقد حكم أحد المهلوسين بأن الحياة على كوكبنا ستتلاشى في ديسمبر المقبل! وكان سبق لمهلوس آخر يدّعي علم الغيب، أن نطق في مايو الماضي ثم في أكتوبر بمثل هذا الحكم الفارغ.
خيارات غير معهودة
الساحة الأميركية مقبلة على انتخابات رئاسة غير معهودة، من حيث الخيارات. وحدة المنطلقات بين المرشحين، لا تلغي الفوارق وآثارها في السياستين الداخلية والخارجية. خطاب الحملة ينطوي على أضداد في التوجهات والمقاربات. ثمة منهم من يطرح التصعيد والتشدد.
وثمة من يطرح وجوب الانسحاب العسكري من كافة المواقع وإقفال القواعد في الخارج، مع وقف المساعدات الخارجية حتى إلى إسرائيل المرشح الجمهوري رون بول الذي أثار زوبعة يهودية وجمهورية ضده. واللافت أن خطابه لاقى صدى ملحوظاً ظهر في ارتفاع رصيده. ولو أن فوزه غير وارد.
الساحة الروسية قادمة هي الأخرى على تغيير رئاسي ولو أنه شبه معروف. عودة بوتين يضعها الأميركيون في خانة الانتكاسة لمرحلة التعاون وبناء الجسور بين موسكو وواشنطن. بل هناك توقعات بأن تكون رئاسته الآتية مرحلة وعرة في الداخل، الذي وصلته بعض نسمات الربيع العربي؛ كما في العلاقات مع الغرب.
وحدها الصين تحتل الموقع الممتاز في القراءات الأميركية. نقطة ثقل تؤرق واشنطن، التي لا خيار لها غير التعاون مع بكين. بل الإقرار بدورها في محيطها. حقيقة لم يتردّد كبار المحللين الجيو- استراتيجيين، مثل زبغنيو بريجنسكي، في التسليم بها.
والمؤرق أكثر أن هناك مؤشرات لتمتين التقارب الصيني الروسي. الفيتو الثنائي مؤخراً في مجلس الأمن بخصوص سوريا، يندرج في هذا السياق. كذلك الموقف الصيني الروسي الواقي لإيران. يعزّز ذلك، التطور الذي شهدته العلاقات التجارية بين البلدين: من 59 مليار دولار في 2010 إلى 70 مليار في 2011. يضاف إلى ذلك مشروع بناء خط للغاز الطبيعي من سيبيريا إلى المواقع الصناعية الصينية بكلفة حوالي تريليون دولار.
كله يؤشر إلى مسار تعاون ثنائي. وربما تحالف مديد ومرشح للتطوير. ومع أنه لا خوف في واشنطن من نشوء محور صيني روسي ضدها، إلاّ أن وقوف الاثنين في خندق واحد لمنافسة واشنطن في الشرق الأوسط، يقلق العديد من الدوائر الأميركية. كما يقلقها توسع النفوذ البحري العسكري في بحر الصين والمتمدد نحو المحيط الهادئ. بل قريباً نحو المحيط الهندي، حسب معلومات أخيرة منسوبة إلى مصادر في البنتاغون.
أزمة ممتدة
أوروبا مشغولة بأزمتها، المتوقع أن تجرجر على مدى العام من دون أن ينهار اليورو ولا ينفرط الاتحاد. أميركا تحاول التعايش مع أزمتها المزدوجة، الاقتصادية المالية والسياسية المتعثرة قراراتها ولغاية الانتخابات. الربيع العربي ما زال في أول طريق بلورة ملامحه. الثلاثة الكبار، على طريق صراع متزايد ولو غير صدامي؛ حول الوجود والنفوذ والموارد؛ في غير منطقة بالعالم.
في أوروبا، حول الدرع الصاروخية. في المدار الآسيوي، حول التمدّد العسكري الصيني. لكن الشرق الأوسط في الطليعة. ليس فقط بحكم موارد الطاقة، بل أيضاً في محاولة لتثبيت الحضور والتحالفات في إقليم يعيد صياغة نفسه. كل الأطراف في حالة تموضع. الاحتمالات مفتوحة ومرهونة بما ستفضي إليه كل هذه الاستحقاقات والعمليات القيصرية الجارية. المكسب أن تبقى الخطوط مفتوحة لمرور 2012 من غير انسدادات جديدة.
