يتجه الصراع الصامت الذي يستهدف نظم وشبكات الكمبيوتر لكسر مفاتيحها والسطو على معلوماتها وأسرارها، ليصبح عنوان الحروب الجديدة القادمة. تطورت وتسارعت وسائله وأدواته، مع التطور الهائل والسريع لتقنيات برامج وقدرات الحاسوب، الذي بات المدير المنظم لعمل كل القطاعات والمرافق والمجالات، مع كل ما يختزنه من كنوز وخطط وفتوحات تقنية علمية ثمينة، وبالذات العسكرية والمالية والمعلوماتية.

 وهو تجسّس مارسه الكبار للمنافسة وتعزيز الهيمنة، أو لتقليص المسافة واللحاق بقطار الإنجازات المتسارع. في الآونة الأخيرة ظهر هذا الصراع للعيان. ففي خطوة غير مسبوقة، منح الكونغرس البنتاغون الصلاحية للقيام بما يسمىالهجمات الإلكترونية لاختراق شبكات الغير، من باب أنها عمل دفاعي لحماية الأمن القومي والعسكري والمصالح الحيوية لأميركا وحلفائها.

وطبعاً تشمل هذه الحماية إسرائيل وقدراتها العسكرية، من خلال تزويدها بالمعلومات الإستراتيجية عن المنطقة، بحيث تصبح شبه مكشوفة لتل أبيب. وكانت تقارير صحافية قد ذكرت، أخيرا، أن الجيش الإسرائيلي يعكف في الوقت الحالي على إعداد جيل من قراصنة الفضاء الالكتروني ليكونوا جيش الحرب المعاصرة.

 

لعبة خطرة

ولعبة نشر الفيروسات للتشويش على الأجهزة وتخريب عملها، ليست جديدة. وقد تحولت مع الخبرة إلى سرقة سرية بمهارات عالية. واشتكت الولايات المتحدة من الاختراقات الروسية والصينية بشكل خاص، لنظمها المعلوماتية المختلفة. ورأت في ذلك عملا عدوانيا وطالبت مراراً بوقفه. لكنها في الوقت ذاته مارست اللعبة نفسها.

وبدا أن شكواها كانت اعترافا بنجاح محاولات التسلل التقني لدهاليز شبكتها العنكبوتية، التي تقول واشنطن ان الصين، وبالذات الجيش الأحمر، وراءها. وقد نفت بكين التهمة مراراً وتكراراً، ويتعذر إثبات الدليل في هذا الخصوص.

كما يتعذر تحصين النظم بالكامل. وعندما وصل الاقتحام إلى دائرة خفايا المعلومات العسكرية، ردت البنتاغون بالتلويح بخيار القوة. نائب وزير الدفاع الأميركي كشف أنه تمّ الوصول إلى 24 ألف ملف لتصاميم أسلحة حديثة موجودة في جهاز كمبيوتر واحد تابع لواحدة من أكبر شركات التصنيع العسكري الأميركي.

ولمحت واشنطن حينذاك إلى الصين وروسيا. ولأول مرة تحدثت بلغة الإنذار، وهددت باحتمال الرد على مثل تلك الهجمات الالكترونية بـعمل عسكري. لكن التهديد في مثل تلك الحالات ليس أكثر من تهويل وتخويف. فالفاعل مجهول، والشبهة وحدها لا تكفي. والبديل هو تصعيد الكتروني في حرب مفتوحة، قد تتطور إلى أشكال أخرى.

حرب الشبكة الالكترونية، مغرية بقدر ما هي زهيدة التكلفة، مقارنة بالحرب التقليدية. وكل ما تحتاجه مهارات معينة. لكن قلة تكلفتها لا تزيل أخطارها. خاصة إذا ما شملت عمليات التخريب للنظم الإلكترونية التي تتحكم وتدير مرافق حيوية، مثل البنى التحتية من منشآت توليد الطاقة وتوزيع المياه.

ولا يقل عن ذلك خطورة التسلل إلى مخزونات البرامج التي تستخدمها الشركات والمصارف والمؤسسات المالية، التي تبين، أخيرا، أن عدداً منها قد تعرّض للسطو الفضائي، مما دفع بالجهات المعنية وبالكونغرس إلى المطالبة بتشديد تقنيات حمايتها الالكترونية، بعد أن بدت هي الأخرى مستهدفة بالغزو الصامت. ويقول الخبراء إن قدرات التفكيك باتت بالغة الفعالية. ويشهد على ذلك ما تعرّضت له نظم المجمعات النووية الإيرانية قبل فترة، ومدى التخريب الذي تعرضت له، حسب ما ذكرته التقارير في حينه.

ومن جملة التخوفات المتداولة، أن تتعرض مرافق حيوية كالمنشآت النفطية، أو شبكة الاتصالات، للاختراق، مع كل ما قد يؤدي إليه ذلك من تعطيل للعمليات المالية والتجارية والخدماتية. ومثل هذه المرافق حصانتها الالكترونية ضعيفة، ولا تستطيع الصمود أمام هذا النوع من الاجتياحات التي تقوى على انتهاك أسوار الأسرار العسكرية في بلد مثل أميركا، وغيرها من الدول الكبرى.

 

احتمالات التوسع

الخطر في هذا النوع من التعديات، انه مرشح للتوسع، في زمن يلجأ فيه الخصوم إلى الحروب البعيدة وغير باهظة التكلفة، بواسطة الطائرة الصامتة الموجهة عن بعد، والأخطر من ذلك أن تقنية كشف الأسرار، محكومة هي الأخرى بالانكشاف. فمثلما تمكّنت تلك التقنية من كسر الحواجز العلمية العصية، لابدّ أن تتمكن من كسر لغز الكسر. وعند ذاك تحل التهمة محل الشبهة.

وتتحول الحروب الخفية إلى تهديدات ومواجهات على الأرض. انفلاتها مجازفة كبيرة. لكنها لغة العصر والواقع. وما لم يتم تطويقها وشمولها بنصوص ملزمة في القانون الدولي مع تحديد مرجعية للفصل بشأنها، فإنها تبقى مهيأة لتفريخ نزاعات دولية كبيرة.