لم يكن رحيل الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ إيل مفاجأة. فقد كان في ضوء حالته المرضية، مسألة وقت. كذلك كانت خلافة ابنه كيم جونغ أوون له متوقعة. مع ذلك أثار الحدث ما يشبه الاستنفار الدبلوماسي والإستخباري والتحليلي الأميركي والإقليمي، في محاولة لتحسس ملامح الفصل الثالث الجديد من تاريخ هذا البلد المقفل منذ قيامه عام 1948 على يد مؤسسه كيم إيل سونغ. أو الرئيس الأبدي كما كان يسميه ولده الراحل، الذي رفض لقب الرئيس باعتبار أن في بلاده رئيسا دائما واحدا أوحدا هو والده.
فالوضع الآن مفتوح ومآله غامض، على ما يرى خبراء الشؤون الصينية في واشنطن. والسبب أن عملية التوريث هذه المرة لن تكون، على الأرجح، نسخة طبق الأصل عن وراثة الأب للجدّ، عام 1994، لا بسلاستها ولا بخلوّها من علامات الاستفهام والسيناريوهات غير المألوفة. فالظروف المحلية والإقليمية مختلفة والوريث كيم جونغ أوون: يفتقر للخبرة والإعداد ، بحسب معظم القراءات الأميركية.
وبهذا فإن معادلة المنطقة على المحك من جديد. بأحسن الأحوال، هي في حالة حذر وترقب. الصين وحدها، بحكم العلاقة والجوار ودورها الجيوسياسي، قادرة على ضبط عملية الانتقال الكوري، وبالتالي على حماية الاستقرار السائد ولو المهتز من حين لآخر، في المنطقة. وهو دور من شأنه تعزيز وضعها وتمكينها من مراكمة مكاسبها الإستراتيجية، في المحيط الإقليمي، كما في الساحة الدولية.
والمعروف أن عملية تأهيل الابن، الذي منحه والده رتبة جنرال بأربع نجوم وهو لم يبلغ بعد الثلاثين من عمره، جارية منذ ثلاث سنوات. وهي فترة غير كافية، مقارنة بمدة عشرين سنة تتلمذ خلالها والده على يد المؤسس وجرى تمكينه من تعزيز سلطته في مؤسسات النظام ومفاصله الرئيسية ، كما يقول الخبير ريتشارد بوش من مؤسسة بروكينغز للدراسات بواشنطن. بالإضافة، نسب إلى تقارير أعدتها السي أي إيه أن الزعيم الشاب متقلّب المزاج وعدواني السلوك . مع أن المتداول عنه سابقاً قليل وبقي في حدود الإشارة إلى دراسته لفترة بسيطة في سويسرا.
بناء على هذا التشخيص كما على وجود مراكز قوى كامنة لها مواقعها ومصالحها، في تركيبة النظام، ليس من المستبعد عدم حصول إجماع حول قيادة الابن كيم جونغ أوون. وفي هذه الحالة، يكون الاحتمال الأرجح أن تتولى السلطة قيادة جماعية ، يقول ريتشارد بوش، الذي يرى أن احتمالات التغيير غير مستحيلة في كافة الأحوال.
الخطر الأكبر، يقول العارفون ببعض خصائص الوضع الكوري الشمالي، مثل الوزير والسفير والنائب السابق بيل ريتشاردسون، يتمثل في عصيان هذا البلد على التوقعات . خاصة في لحظة انتقال كالتي يمر بها الآن وهو الذي يمتلك من اليورانيوم المخصّب ما يكفي لصنع ست إلى ثماني قنابل نووية. لذا يحذر مع غيره من عزل بيونغيانغ بدل الحوار معها. إدارة أوباما حسمت بهذا الخيار في أكتوبر المنصرم.
ووافقت على عقد لقاء مع وفد كوري شمالي في جنيف. وهذا أدّى إلى كسر الجليد وفتح الباب لإمكانية عودة بيونغيانغ إلى طاولة الحوار الخماسية الصين، روسيا، اليابان، والكوريتين ، حول السلاح النووي. وفي اعتقاد دوائر أميركية أن ذلك الانفتاح للتحاور مع واشنطن حصل بتأثير من ابنه الوريث.
منذ حرب الخمسينات وشبه الجزيرة الكورية بؤرة توتر في المنطقة. برميل بارود جاهز للانفجار. هدّد مراراً بمواجهة واسعة بين الكوريتين، تغطس فيها واشنطن. لكن في كل مرة كانت الصين صمام الأمان. كانت تلجم حليفتها الشمالية، ولو من غير منعها من تكرار لعبة حافة الهاوية. مع غياب كيم جونغ إيل، تجدّدت التخوفات من المجهول. عملية الخلافة جاهزة ومدبرة سلفاً. غير أن تدبيرها شيء ومواصلة التركة شيء آخر. قد تأخذ الورثة منحى الاستمرار. كما قد تخرج عن سكّته.
فالبلد يعيش خارج العصر. وما عاد ورقة بيد الصين بقدر ما بات عبئاً عليها. فهي رئته الاقتصادية وحتى الدبلوماسية. مصالحها باتت أوسع من التمسك به. وربما وصول قيادة جديدة تحتاج إلى مساعدة ودعم بكين، يدفع هذه الأخيرة لتشجيع أية حلحلة في الوضع الكوري. فهي لابدّ حاضرة في الترتيب الجديد. وحضورها لا بديل عنه. في آخر كتاباته يقول زبغنيو بريجنسكي: على أميركا الاعتراف بأن الاستقرار في آسيا متعذر فرضه بالقوة العسكرية أو عن طريق قوة غير آسيوية . والمقصود بذلك هو الصين ووجوب الاعتراف بدورها الإقليمي .
