عشية ترك منصبه مطلع الصيف المنصرم، كتب وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس مقالة في مجلة « شؤون خارجية» المرموقة، عدد مايو ـ يونيو 2011، جاء فيها: «من المستبعد أن تكرّر الولايات المتحدة، في المدى المنظور، القيام بعمليات على غرار ما قامت به في العراق وأفغانستان لتغيير النظام بالقوة، ثم لبناء البلد من جديد.
قد نجد أنفسنا لاحقاً أمام سيناريوهات تحتاج مواجهتها لقدرات عسكرية معينة ينبغي توفيرها. لكن هذه الحقيقة الاستراتيجية تتطلب من واشنطن التركيز على ما يمكن تسميته ببناء طاقات الشريك» المحلي. اعتراف ضمني بعواقب المغامرات العسكرية مع التحذير منها ودعوة لاستبدالها بسياسة التكتلات تحت المظلة الأميركية.
حصاد التجربة
بعد استقالة غيتس، وفي ضوء تجربة المطاردة ضدّ طالبان وغيرها من الجو، كما في ضوء الصعود العسكري الصيني، رست إدارة أوباما على استراتيجية تنهض على مثل هذا التوجه الجبهوي الإقليمي ـ تجلّى ذلك في جولة أوباما الآسيوية الأخيرة ورفعه منسوب التحالف العسكري مع أستراليا ـ معطوفاً على خيار التعويل المتزايد على الحضور الجوي، خاصة عبر الطائرات الصامتة الموجهة عن بعد.
والحضور البحري في المياه المتاخمة لبؤر التحدّي للنفوذ الأميركي. وبالتحديد التحدّي الصيني، لاجتناب التورط المباشر التي اكتوت أميركا بناره، في زمن صارت حروب الغزو والاحتلال مكلفة وصعبة عسكرياً والخروج منها أصعب.
فضلاً عن أن الشحّ المالي ما عاد يسمح بها. وثانياً لاحتواء الخصم بتقليص الثمن وبتوزيعه على الشركاء. فصرف النظر عن حروب البرّ والاستعاضة عنها بخيارات أخرى تفرضها الظروف الميدانية والأوضاع الاقتصادية، ليست جديدة. سياسة سبق واعتمدها أسلاف اوباما، مثل ايزنهاور تجاه الاتحاد السوفييتي ونيكسون في فيتنام. كلاهما اختار التعويل على سلاح الجو لردع موسكو وضرب الفيتكونغ.
إدارة أوباما التي طرحت من البداية مقاربة واعدة في الميدان الخارجي، تراجعت عنها إلى حدّ بعيد. وبخاصة في الملف الفلسطيني. أسقطت صيغة الدولتين من جدول أعمالها. وبدل سياسة الحوار، عادت إلى سياسة الاحتواء العسكري من بعيد ولعب «الدور القيادي من الخلف».
تجلّى ذلك في الأزمة الليبية. ثم في العمليات الجوية المتصاعدة فوق الأراضي الباكستانية. العملية الأخيرة التي أدت إلى سقوط 26 جنديا باكستانيا، لم يعتذر الرئيس اوباما بخصوصها. بل لم يتقدم بالتعزية إلا بعد حوالي أسبوع على الحادثة. كما تجلّى في حبك التحالفات الأخيرة وتطويرها مع دول في حوض المحيط الهادئ، لتطويق النفوذ العسكري الصيني المتزايد، حسب ما تراه واشنطن.
نغمة إنتخابية
يتناغم ذلك مع الأجواء السائدة في واشنطن. خاصة في أوساط المحافظين المزايدين الرافضين القبول بأقل من النصر التام في أفغانستان والمطالبين بالتعامل مع إسلام أباد بلغة الإنذار والردع. وبنفس اللغة تقريباً مع الصين. نغمة مرشحة لتصبح أحد بنود الحملة الانتخابية، ضدّ أوباما. ولا يبدو أن اكتمال الانسحاب، في أواخر الشهر الجاري، من العراق سيعزّز رصيده.
فهذا أمر تقرر في عهد بوش. مشكلة أوباما في أفغانستان التي، اختار تصعيد حربها عندما قرر قبل سنة وبعد جدل طويل داخل الإدارة، دفع ثلاثين ألف جندي إضافي إلى ميدانها نزولاً عند طلب الجنرالات، مع الوعد بسحب هذه القوة مع مطلع الصيف المقبل.
أي عشية انتخابات الرئاسة. المراهنة كانت أن مثل هذا التعزيز الميداني سيكفل شلّ قوة طالبان، إن لم يكن كسر عظمها. لكن النتيجة على الأرض بالكاد تذكر، باستثناء بعض مناطق الجنوب، على ما يعترف به البنتاغون.
لذا الوفاء بوعد الانسحاب، بات موضع شك، في ظلّ المعطيات الراهنة. لتغيير المعادلة على الأرض، تقرّر رفع وتيرة العمليات البعيدة من الجو عبر الطائرة الصامتة، مردودها العسكري مؤثر وكلفته زهيدة نسبياً، لكنه خيار زاد من إشكالية العلاقة المعطوبة مع إسلام اباد والمرشحة لمزيد من التردّي بعد الحادثة الأخيرة، حسب الخبير بروس رايدال من مؤسسة بروكنغز بواشنطن، كما زادت سياسة التكتلات الآسيوية من التوتر مع الصين التي تمثل مشكلته الأخرى، بحكم القفزات الكبيرة التي تحققها على أكثر من صعيد والتي لا تستسيغها واشنطن.
يزعم الرئيس اوباما انه، بعد طي صفحة حرب العراق، يزمع المباشرة بطي ملف أفغانستان، كما يردّد أنه يسعى إلى التعاون لتسوية الخلل في العلاقات مع الصين، لكن حسابات الدولة العظمى فضلاً عن الحسابات الانتخابية، ردّته إلى اعتماد سياسات القوة بإخراجات مختلفة.
