التوتر أو في أقله التوجّس، كان وما زال من مكونات العلاقات الأميركية الروسية. فهو مزمن وشبه دوري. يعود إلى مرحلة الحرب الباردة. رواسب هذه الحرب ما زالت حاضرة في حسابات الجانبين. ولو بدرجة أخف من ذي قبل. ما عدا في ملف شبكة الدرع الصاروخية الواقية، التي طرحت واشنطن نشرها في أوروبا.
حضور الماضي هنا، ساخن. يحمل بصمات زمن ما قبل الانهيار السوفييتي وهواجسه. ليس هناك الآن بين العاصمتين خلاف استراتيجي يجاريه بحساسيته وبقابليته ليتحوّل إلى أزمة كبيرة، تفيض تداعياتها إلى الساحة الدولية. وبالتحديد إلى الجوار المتاخم للمسرح الأوروبي. تأجيل الحسم بنصب الشبكة، لأسباب مالية وتقنية وسياسية، المتواصل منذ سنوات، حال دون انفجار المشكلة. اليوم ها هي تعود من جديد إلى فوق النار المستعرة.
أصل المشكلة
يرجع أساس هذه القضية الخلافية إلى ثمانينات القرن الماضي، عندما طرح الرئيس ريغان فكرة ما عرف ب حرب النجوم . شبكة واقية في الفضاء، تكون قادرة على تدمير الصواريخ الإستراتيجية السوفييتية بالأشعة، قبل وصولها إلى أهدافها الأميركية والأوروبية. يومئذ زعمت واشنطن أن هذه الدرع دفاعية محضة. في الواقع كانت الغاية منها، لو تحققت، تعطيل قدرات الخصم النووية، وبالتالي إسقاط موسكو من خانة الدول العظمى.
عندما تبيّن علمياً بأن التكنولوجيا لا تقوى على تحقيق مثل هذا المشروع الخيالي، سقطت الفكرة من التداول. لكن ليس الغرض. بقي الطموح بتحقيق مثل هذا التعطيل، ولو بصورة متواضعة، قائماً. وهذا ما وجد ترجمته في ما عرف أيام بوش الابن بالدرع الصاروخية الأرضية، هذه المرة. على أن تكون قاعدتها في أوروبا الشرقية القريبة من روسيا. في أواخر 2002، وجّه الرئيس بوش ببدء نشر هذه الشبكة بعد سنتين. لكن في أواخر 2004 جرت تجربة على الدرع وفشلت.
تكرر الفشل مع بداية السنة اللاحقة.ولم تنجح التجارب المنطلقة من قاعدة أرضية، إلاّ في أواخر صيف 2006. بعد سنة بدأ التفاوض مع بولندا والتشيك وهنغاريا لاستضافة قواعد الشبكة. كان التسويغ أن هذه المظلّة ضرورية لحماية أوروبا من الصواريخ الإيرانية. لكن الفكرة ولدت قبل هذه الصواريخ. ذريعة رأت فيها موسكو محاولة لحجب حقيقة المقصد بأن قدراتها الصاروخية والنووية هي المستهدفة. الرئيس بوتين هدّد يومذاك بحرب باردة جديدة ، لو مضت واشنطن بالمشروع. لكن ضيق الوقت لم يسعف بوش على نشر الدرع.
بعد أشهر من مجيئه، أعلن الرئيس أوباما صرف النظر عن أوروبا الشرقية كقاعدة لهذه الشبكة واختار تركيزها على متن بوارج حربية متجولة في البحار المجاورة.
في نوفمبر 2010 احتل هذا الموضوع حيزاً بارزاً في قمة الناتو في لشبونة. الإدارة دعت موسكو إلى المشاركة والتعاون بشأن الشبكة. لكن روسيا اشترطت مشاركة إستراتيجية كاملة. تبع ذلك اتفاق موسكو وواشنطن على ستارت الثانية لخفض الترسانة النووية للبلدين. خطوة أوحت ببداية جديدة وواعدة بينهما. لكن النصّ الذي تناول موضوع الشبكة، في الاتفاق، أصرّت واشنطن على صياغته بلغة غامضة. أرادت ترك الخيارات مفتوحة، بحيث تتوزع المنصات بين الساحة الأوروبية و بين البوارج.
الملف في الواجهة
الآن عاد الملف إلى الواجهة. موسكو صعّدت لهجتها. تلوّح ليس فقط بالانسحاب من ستارت ، بل أيضاً بنصب صواريخها الدفاعية على مقربة من حدودها الأوروبية وبتصويبها نحو قواعد الدرع، في حال أقيمت في هذا المحيط. شرطها أن تشارك في وضع تصاميم الشبكة والحصول على ضمانات قاطعة بعدم استخدامها في أي حال من الأحوال ضدّ روسيا . بخلافه هدّد الرئيس ميدفيديف ب خيارات أخرى ضمناً، بضربها.
ربما كان هذا التصعيد، في أحد جوانبه، من وحي اللحظة الانتخابية الروسية الراهنة، حيث يعاني حزب ميدفيديف من تراجع التأييد، كما يرى عدد من المتابعين للشأن الروسي. وربما ساهم أيضاً التوتر الصامت بين العاصمتين مؤخراً، في رفع لهجة الخطاب.
فواشنطن وضعت أسماء شخصيات روسية على اللائحة السوداء، احتجاجاً على وفاة محام روسي في السجن بعد أن كشف فضيحة في مصلحة الضريبة. ردت موسكو بالمثل ومنعت أميركيين من دخول روسيا.
لكن موضوع الدرع يبقى العقبة الرئيسية التي تهدّد بأزمة جديدة من طراز أزمات الحرب الباردة. خاصة وأن فلاديمير بوتين في طريقه إلى الرئاسة من جديد. وربما عاد أيضاً اليمين الأميركي إلى البيت الأبيض. عندئذ قد تتحرك عقارب الساعة إلى الوراء.
