مع وصول البت في موضوع الموازنة الأميركية إلى طريق مسدود، مع اقتراب لحظة البتّ بعقدة تقوم الجهات المعنية في واشنطن، من مسؤولين وباحثين وجماعات الضغط اللوبي الصناعي العسكري بما يشبه عملية تطويق وتحصين لحصة البنتاغون بغية حمايتها من مقص الخفض، الذي حان وقته ويبدو أنه لا مردّ له. علماً بأن المطروح خفضه منها، 27 مليارا فقط لعام 2012، من أصل 553 مليار دولار مخصصة لشؤون الدفاع. مبلغ لا يوازي أكثر من لدغة نحلة، فيما يغوص هذا المقص إلى عمق كافة القطاعات والبرامج الحيوية الأخرى. والمعروف أن هذه الحصة تساوي حوالي 7/1 الموازنة العامة البالغة 3 تريليونات و 700 مليار دولار، وفق الصيغة التي أعدّتها الإدارة.
تناغم تبريري
وكان من اللافت أن تتناغم لغة الخطاب التبريري، بين الأطراف كافة التي انبرت لتسويغ الإنفاق العسكري والتحذير من المسّ به، بحجة وجود تحديات ومخاطر جديدة تهدّد موقع أميركا في العالم، فضلاً عن جاهزية قواتها المسلحة وتفوّقها التكنولوجي وتجهيزاتها الحربية ، على حدّ ما جاء في ورقة صدرت قبل أيام، عن مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية بواشنطن. وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا حضر أخيرا، وأدلى بإفادته حول الموضوع، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، محذراً من أن تلجأ اللجنة إلى اقتطاعات « تؤدّي إلى تقليص قواتنا الأرضية إلى أصغر حجم عرفته منذ عام 1940 وقواتنا البحرية إلى أدنى عدد لها منذ عام 1915، فضلاً عن قواتنا الجوية التي قد تنحسر إلى أصغر قوة في تاريخها «. التحذيرات نفسها أطلقتها هيئة الأركان، التي أدلت قياداتها بإفادات مماثلة أمام لجنة مجلس الشيوخ.
وقد صدرت دراسات وأبحاث في هذا المعنى، كان من بينها ما أعده الخبير الاستراتيجي أنطوني كوردسمان، الذي يشدّد على أن مثل هذا الخفض الراهن وما سبقه والمتوقع تكراره في المستقبل، من شأنه « التأثير على قدرتنا لإبراز قوتنا ومساعدة حلفائنا وأصدقائنا، كما على خططنا المتعلقة بمشتريات الأسلحة «. علماً بأن كوردسمان نفسه يسارع إلى القول بأن « أميركا قد لا تواجه أخطاراً تهدّد قدراتها هذه، في المستقبل القريب أو المنظور وإن كانت هناك تهديدات متنوعة أقل من ذلك «.
الجانب الاقتصادي
الجانب الآخر من هذا التوجه اقتصادي، مغلّف بستار أمني عسكري. « إن اقتصاد الولايات المتحدة لن يتمكن من الحفاظ على النمو من دون امتلاك قوة عسكرية مقتدرة، إلى جانب دبلوماسية فعّالة وبرامج مساعدات خارجية «، يقول كوردسمان. ولتهوين الأمر، يعمد المدافعون عن حصة البنتاغون إلى المقارنة بين ما كان يمثله الإنفاق العسكري زمن الحرب الباردة « 6 إلى 7% من الناتج القومي «، وبين ما هو عليه اليوم « 4 إلى 5% منه «. لكنها مقارنة تتجاهل الظروف لتسويق طرحها.
كما تحمل بصمات الصناعة الحربية، التي تخشى في زمن الضيق المالي الراهن أن تتأثر مبيعاتها إلى البنتاغون باعتباره أكبر زبائنها على الإطلاق. كما لوحظ في الآونة الأخيرة، أن واشنطن تعمل على الترويج للمبيعات العسكرية من خلال تسهيل الشروط وتخفيف القيود على تزويد البلدان الصديقة في الشرقين الأقصى والأوسط بشكل خاص، بالأسلحة التي تحتاجها للأغراض الدفاعية.
من محاذير ترك الإنفاق العسكري الأميركي على حاله، في وقت يقول الرئيس أوباما بأن « موجة الحروب على انحسار «، هو أن الإفراط في تسويق هذا الخطاب ينطوي على خطر الانزلاق إلى العسكرة ومغامراتها، التي كشفت الحروب الأخيرة عن مهالكها.
فالتسويغات المتداولة لا تتناسب مع حجم التهديدات المحتملة، باعتراف أهل الشأن أنفسهم. فلا يستقيم أن تبقى موازنة البنتاغون في حدود هذه الأرقام الفلكية من دون موجب دفاعي ملحّ، إلاّ إذا كان ذلك لاغراض وغايات عسكرية وتصنيعية - مالية مبطّنة. ومثل ذلك لا يخلو من المجازفة في هذا الوقت الذي تقف فيه أميركا على عتبة انتخابات رئاسية فاصلة، لا يستبعد فوز أحد صقور اليمين فيها، مع كل ما يحمله ذلك من عودة إلى خيار العصا في أكثر من ساحة. فعندما تجتمع الأجواء المحتقنة مع الظروف الخانقة، يتزايد الخطر من رجحان كفة المواجهات العسكرية. وهذا ما لا يتحمله العالم في هذه المرحلة المخاضية الصعبة.
