كان مؤتمر " ابيك " التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسفيكي لدول حوض المحيط الهادئ، الذي عقد أخيرا في هاواي، محطة فارقة في مسيرته؛التي أبصرت النور مع بداية التسعينات. على السطح طغت، كالعادة، العلاقات التجارية على فعالياته. لكن في كواليسه كان التركيز على الأمن الإقليمي. كانت الأضواء من حظ الأولى. بيد أن الاهتمام كان للثاني. وبخاصة لملف التوازنات الأمنية في جنوب شرق آسيا، في ضوء التوتر المتزايد هناك ، في الآونة الأخيرة. ويعزي الأميركيون ذلك إلى تنامي الحضور والتمدّد الصيني في المنطقة ومجالاتها المائية، بشكل خاص.
واكب ذلك تطور على صعيدين: توجّه جديد لواشنطن، يتمثل في تعزيز حضورها العسكري في استراليا. ثم تزايد الإقبال على شراء الأسلحة من جانب عدة دول في المنطقة، بزعم الحاجة إلى إمكانات دفاعية متقدمة، بوجه الصين.
نسخ الماضي
يبدو التوجه الأميركي هذا وكأنه محاولة لنسخ الماضي ولو بصورة مصغّرة.فإذا كان الصعود السوفييتي كخصم لدود في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذريعة لإقامة حلف شمالي المحيط الأطلسي ناتو ، فإن الصعود الصيني الراهن، الاقتصادي والعسكري، جعلت منه واشنطن في الوقت الحاضر المدخل لبناء تحالف ما يقابله في حوض المحيط الهادئ. الفارق ان الأول كان لمواجهة ما وضعته واشنطن في خانة الخطر الأكبر: الخطر الشيوعي. أما تحركها الحالي على جبهة المحيط الهادي، فهو لمواجهة منافس صاعد، ترى واشنطن أن تهديده الاقتصادي والإقليمي يتزايد بصورة عكسية مع تزايد الهبوط المتعدد الوجوه، الذي تعيشه أميركا اليوم.
ظهرت بوادر الاتجاه نحو الشرق الأقصى في الآونة الأخيرة، من خلال مؤشرات تجارية وعسكرية. كان منها تزويد تايوان قبل أشهر، بصفقة سلاح كبيرة أثارت حنق بكين. ولو أن تسليحها ليس بالأمر الجديد. لكن كان لتوقيته مدلولاته الصينية، في وقت كان وما زال يحتدم فيه الخلاف بين واشنطن وبكين حول قضايا التجارة وقيمة العملة الصينية المنخفضة. هذه القضايا، بدت واشنطن عاجزة بضغوطها الذاتية، عن حمل الصين على التراجع بشأنها وبما يلبي المطالب الأميركية.
كما كان منها أن واشنطن باتت ترى في السوق الآسيوية، التي توازي حصتها نصف التجارة الدولية، البديل الذي يمكن التعويل عليه لإنعاش الاقتصاد الأميركي في حال تمّ لجم الفوران الصيني. أوروبا، الشريك التجاري الثاني لأميركا بعد كندا، غارقة بأزمة مالية قد تمتدّ لسنوات. الاقتصادات الآسيوية تشهد وتيرة نمو فريد في العالم. وبذلك فهي سوق مفتوحة. " لقد بات من الواضح أكثر فأكثر أن منطقة حوض المحيط الهادي الآسيوي مع شبه القارة الهندية، باتت نقطة الثقل الاستراتيجي والاقتصادي العالمي للقرن الواحد والعشرين ".
كما قالت الوزيرة هيلاري كلنتون في خطابها أمام المؤتمر. المضمون المبطّن لهذا الكلام أن أميركا قرّرت الاستدارة شطر هذه المنطقة لكسب النصيب الأكبر من الفطيرة الآسيوية. وهذا يتطلب،بالحسابات الأميركية، العمل على حسر التوسع الصيني التجاري والاستراتيجي في الإقليم. والمعروف أن الآونة الأخيرة شهدت تأزماً في علاقات بكين مع عدد من جيرانها، بسبب خلافات حول عدد من الجزر في بحر الصين الجنوبي. ويقال إن هذه المنطقة البحرية تحوي على مخزون نفطي كبير.
استمرار التوتر
ويذكر أن بكين أنزلت إلى الخدمة قبل أيام، حاملة طائراتها الأولى في المياه الإقليمية. كما أنها تنوي إرسال زوارق مسلحة لمرافقة سفنها التجارية، بعد أن تعرّضت إحداها في نهر ماكونغ بجزئه التايلاندي،لاعتداء سقط ضحيته 13 بحاراً صينياً.
في ضوء هذه الأجواء التي ساهمت واشنطن في تأجيجها من خلال صفقات السلاح والعلاقات المتوترة مع الصين، قررت إدارة أوباما عقد اتفاق جديد مع أستراليا، يوفر لأميركا " وجود عسكري بحري دائم هناك مع المزيد من التسهيلات مثل تخزين المعدات الحربية ورفع وتيرة المناورات المشتركة مع القوات الأسترالية ". رفع لمستوى علاقتها العسكرية مع سيدني، من حليف تقليدي قديم إلى حليف استراتيجي.
قفزة نوعية لا تجد ما يبررها لولا الصعود المتسارع للنفوذ الصيني في حوض الباسفيك ولولا إصرار واشنطن على تطويقه. وربما إشغاله بسباق تسلّح مع محيط تتسلّح أطرافه وتتقارب تحت سقف الخصومة للصين وبما يجعلها مرشحة لتنضوي تحت مظلّة أمنية؛ بات المثلث الياباني الكوري الشمالي الأسترالي، واجهتها المفتوحة على المزيد من العضوية؛ طالما استمر التوتر بين الصين وجوارها.
