بعد سنة من الآن وفي مثل يوم الثلاثاء الأخير، يتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيسهم. ويجمع المراقبون والمؤرخون على أن الانتخابات الرئاسية هذه المرة مفصلية.

فهي غير مسبوقة بتحدياتها وظروفها واستطراداً بأهميتها. لم يحصل أن دخلت أميركا انتخابات رئاسية وهي تعيش هذا المزيج من المديونية الفلكية والعجز الهائل في الموازنة والبطالة والهبوط في تصنيفها الائتماني، إضافة إلى حروبها في الخارج. المفارقة أنه على الرغم من جبال التحديات هذه وعبء تزامنها مع بعضها وما تهدّد به من تصدّع كانت ظاهرة احتلال وول ستريت بداية تعبيراته، إلاّ أن المعركة الانتخابية التي دخلت مرحلة العدّ السنوي العكسي، لا تبدو على المستوى المطلوب، خاصة في شقّها الجمهوري. خطابها باهت ورموزها أبهت وطروحاتها خالية إلا من المجرّب العاجز.

ويعكس ذلك، ضعف تجاوب جمهور الناخبين وبرودة تفاعله مع المقاربات المتداولة. وقد تجلى ذلك في أوضح صوره في الهبوط السريع الذي أعقب الصعود الصاروخي لمعظم المرشحين الجمهوريين، الذين لمعوا في البداية لينتهوا كفقاعة الصابون. عادة في مثل هذا الوقت من الحملة، لا يتساقط المرشحون بهذه السرعة، وحتى المتقدم من بينهم، لم يقو بعد، رغم التساقط، على تحسين رصيده الذي بقي يراوح مكانه، تحت 30%.

 

عوائد اساسية

يتصدّر هذا الأخير، وهو حاكم ولاية ماساشوستس الأسبق مِت رومني، لائحة المتنافسين الجمهوريين على الفوز بترشيح الحزب. لكنه يواجه ثلاثة عوائق أساسية: فهو مرشح سابق فاشل للرئاسة، وبالتالي هو وجه مألوف ضعيف لا يغري الأميركيين، خاصة المستقلين القادرين على ترجيح الكفة في أية انتخابات. وهو ثانياً ليس مرشح المؤسسة التقليدية في الحزب الجمهوري ومرجعياتها وحرّاسها القدامى، فهي بدأت تتقبله ولكن باعتباره مرشح الأمر الواقع وليس المرغوب الذي تطمح لدعمه في مواجهة أوباما. فهذا الأخير أعلى منه ثقافة وقدرة على المناظرة والمواجهة.

ثم إنه ضعيف القدرة على الاستقطاب. ثالثاً وربما هنا مشكلته العويصة، أنه من طائفة المورمون ، التي ينظر إليها الأميركيون بارتياب. خاصة المنتمين منهم إلى قاعدة الحزب الجمهوري في الجنوب من الأنجلو- أميركان البروتستانت والبابتيست، على الرغم من أن هذه الطائفة تدعي أنها شعبة من الدين المسيحي. علماً بأنها محسوبة على خندق المحافظين من حيث السلوك الاجتماعي في أميركا، تماماً كمعظم قواعد الحزب الجمهوري وقوى اليمين.

أبصرت هذه الطائفة النور عام 1830 في نيويورك على يد جوزيف سميث، الذي زعم أنه ينوي نقل مدينة زيون، أي القدس، وتأسيسها في شمال أميركا . وقد قتل مع شقيقه في مدينة شيكاغو عام 1844. ومن حينه تنامى التنافر والابتعاد المشوب بالشكوك، بين طائفته وسائر الأميركيين. ثم تكاثر أتباعه الذين يصل عددهم اليوم في العالم إلى حوالي 15مليوناً، موزعين بين شقي القارة الأميركية والفلبين وأوروبا. منهم أكثر من ستة ملايين في الولايات المتحدة، حيث يتمركز معظمهم في ولاية يوتاه عاصمة المورمون. تركة الحذر والنفور المبطّن من هذه الطائفه بقيت سارية.

وينتمي إليها حاكم الولاية والسناتور وغيره. لكن أحداً من أتباعها لم يقتحم المسرح الرئاسي قبل رومني الا والده عام 1967 وقد فشل ثم ابنه الان ، الذي سبق وخاض معركة الترشيح مرتين وفشل، برغم قدرته على فرض حضوره وإتقانه لفن اللعبة وأصولها. حسب الاستطلاعات، 20% من قاعدة الحزب الجمهوري و22% من المتدينين البروتستانت، لا يؤيدونه. وهذا إذا بقي على حاله، إعلان مسبق لهزيمته. بقية المرشحين الجمهوريين، صعد معظمهم كالنجوم ليهبط كسقوط النيزك. بدءا من دونالد ترامب في البداية إلى النائبة ميشال باكمن ُثم حاكم ولاية تكساس ريك باري.

ومن المتوقع أن يلقى النجم الصاعد الآن، المدير التنفيذي السابق لإحدى شركات مطاعم البيتزا ، هارمن كان، المصير نفسه. وهي مفارقة غريبة أن يحتل أحد الأميركيين السود، الذين ينتمون تقليدياً وبصورة كاسحة إلى الحزب الديمقراطي، المركز الأول بين المرشحين الجمهوريين، في بعض الولايات. لكن استمراره مستبعد، لأسباب كثيرة.

 منها ضعف جدارته. الحزب الجمهوري قد يقوم بحالة استنفار غير مسبوقة لدفع أحد صقور اليمين، نيوت غينغريتش رئيس مجلس النواب الأسبق، إلى الواجهة. فاليمين الكاسر عازم على لعب أوراقه كافة لإسقاط أوباما وإعادة أميركا إلى ما قبل ريغان، أي شطب دور الدولة في الداخل وتسليم الأمور إلى القطاع الخاص وشركاته العملاقة، والعودة الفاقعة إلى سياسة العصا في الخارج مع المزيد من السخاء في موازنة الدفاع. مراوغة أوباما قد تتسبب في مثل هذه العودة.