هبطت حصة شركات صناعة السلاح في موازنات دول العالم المختلفة في زمن ما بعد أزمة 2008. حتى الدول الصناعية الغنية وجدت نفسها مضطرة لتقليص إنفاقها العسكري، بدرجة أو بأخرى.

الموارد خفّت والديون تراكمت وشبح الإفلاس هدّد عواصم وشركات كثيرة. هذا الهبوط في المبيعات الحربية كان لا بدّ من تعويضه بأسواق جديدة لضمان مواصلة العمل في خطوط الإنتاج كما في برامج الأبحاث والتطوير.

منطقة جنوب شرق آسيا مرشحة منذ فترة لتكون البديل، بحكم الصعود العسكري الصيني الذي أشاع قدراً من القلق في محيطه. صعود كان في جانب منه بمثابة تحصيل حاصل لقوة بكين الاقتصادية المتنامية بمعدلات قياسية. كما كان نتيجة لاستمرار التوتر في المنطقة، ومواصلة تزويد تايوان بأسلحة أميركية متقدمة.

 

أسلحة لتايوان

في سبتمبر الماضي، أقرت إدارة أوباما صفقة أسلحة متنوعة لتايوان بحوالي ستة مليارات دولار. شملت تحديث مقاتلاتها من طراز أف 16 التي اشترتها قبل حوالي عشرين عاما، وأنظمة رادار حديثة وقنابل موجهة وغيرها من المعدات والبرامج التدريبية. ومثل كل مرة، رأت بكين في الصفقة " إهانة لسيادتها " وأبدت اعتراضها باحتجاج شديد اللهجة.

وصدر عن بعض مسئوليها تلويح " بردّ يتجاوز الكلام ". فهذه مسألة حسّاسة للصين ، حتى ولو كانت المبيعات العسكرية متواضعة لتايوان. لكن بكين تدرك أن واشنطن لن تتوقف عن تزويد الجزيرة المنفصلة بالسلاح. وكان ذلك أحد الأسباب الكامنة وراء تطوير ترسانتها التي يقول الخبراء الأميركيون أنها شهدت قفزات نوعية هائلة في السنوات الأخيرة. فموازنتها الدفاعية ارتفعت العام الماضي بأكثر من 7% وبحوالي 13% للعام الجاري، لتبلغ 91 مليار دولار.

وثمة من يقول أن الرقم الفعلي أعلى بكثير. وربما شارف 150 مليار، حسب بعض التقديرات المبالغ فيها. لكنه بالتأكيد الرقم العسكري الثاني في العالم، بعد الولايات المتحدة، التي تبلغ موازنتها الدفاعية ستة أضعاف. ويذهب معظمه لتطوير سلاحي البحرية والجو، حسب ما تنقله تقارير عسكرية أميركية. فالتصنيع الصيني في هذين المجالين، بلغ مرتبة متقدمة على طريق بناء قوة ضاربة تشمل حاملة طائرات ومقاتلات حديثة دخلت طور التجريب.

وكان من اللافت مؤخراً أن تمدّد بكين مجال مياهها الإقليمية إلى عمق أكثر من مئتي ميل. كما عمدت إلى التلويح بخيار القوة تجاه دول الجوار، في خلافها معهم حول عدد من الجزر في بحر جنوب الصين. مع أن هذه الأماكن بعيدة عن شواطئها. فهي دولة صاعدة على طريق القوة العظمى،على الأقل في محيطها ومسكونة بهواجس تايوان والهيمنة العسكرية الأميركية في المنطقة.

 

زحام في الاسواق

كل ذلك أثار القلق لدى هذا الجوار وحمله على التسّوق العسكري، خوفاً أو بتأثير التخويف، من التنين المتزايدة قوته ومجالات نفوذه في الفلك الإقليمي. فالتقارير المعنية بالشأن العسكري، تتحدث في الآونة الأخيرة عن ما يشبه الزحمة الآسيوية في الأسواق الحربية الأميركية والأوروبية. زوارها من اليابان حتى سنغافورة، مروراً بكوريا الجنوبية والهند وتايلاند وماليزيا وأندونيسيا والفيليبين. هرولة للتزود بمختلف أصناف الأسلحة المدرعة والصاروخية والجوية، خاصة طائرة " درون " الموجهة عن بعد، والمطلوبة بكثرة في الوقت الراهن.

هلع مفتعل وفي أحسن الحالات مبالغ فيه، جاء كهدية ثمينة في هذا الوقت، للصناعة العسكرية التي تعيش على الحروب وخلق أجوائها ومناخاتها. واشنطن تبيع أسلحة لتايوان. الأمر الذي يحفز الصين على تعزيز عضلاتها العسكرية. يدبّ الذعر أو يجري تحريكه لدى الجيران، فيلجأون إلى تكديس المزيد من السلاح، من باب الحذر والتخوف. دوامة تنتج سباق تسلّح، يخدم تصريف الإنتاج الحربي. علماً بأن تسليح تايوان، وفق تقديرات المحللين العسكريين، لا يقدم ولا يؤخر. فلا هو يوفر التوازن مع القوة العسكرية الصينية المتفوقة بما لا يقاس.

ولا هو قادر على الدفاع عن الجزيرة، التي لو تعرضت لهجوم صيني لسقطت في غياب تدخل أميركي ونشوب حرب لا تبدو واردة في حسابات اللحظة الراهنة. وكذلك هو الحال بالنسبة لدول الجوار، مع الفوارق بينها. وبذلك فالأسلحة التي يجري التسابق لعقد صفقاتها، محكومة بان تبقى في المستودعات. ليس لها في المستقبل المنظور على الأقل، سوى وظيفة تجديد الترسانات وتصريف بضائع ومنتجات المصنع.