مع حلول لحظة القرار، شارفت عملية المساومة حول صيغة استبقاء قوات أميركية في العراق بعد الموعد المقرر للانسحاب؛ نهاياتها. المتبقي منها، دخل طور لعبة العض على الأصابع بين واشنطن وبغداد.

كلاهما سعى إلى اتفاق. كلّ حسب دفتر شروطه. وإلاّ لما جرت مفاوضات طويلة بينهما بشأنه. الآن انتهت عملية شراء الوقت. جاء أوان الحسم. إزاء تمسك العراق برفض منح الحصانة لأفراد القوة العسكرية التي قد يتم التوافق على التجديد لها، جرى قبل أيام، تسريب معلومات رسمية في واشنطن تقول بأن إدارة الرئيس أوباما صرفت النظر عن خيار ترك أية قوات في العراق بعد 31 ديسمبر القادم؛ باستثناء حوالي 160 جنديا لحراسة السفارة الأميركية وعناصرها في بغداد، بقي الخبر في التداول طيلة عطلة الأسبوع قبل أن يصدر نفي عن البنتاغون، يؤكّد أن المباحثات حول هذا الموضوع لم تنته بعد ولا قرار نهائيا حتى الآن، بخصوص بقاء أية قوات أميركية هناك.

التضارب عنى أكثر من احتمال: إما أن هناك تباينا داخل الإدارة حول هذا الموضوع، سارع البنتاغون إلى حجبه من دون أن يلغيه. وإما أن التسريب عن العزوف، كان برسم القوى السياسية العراقية الراغبة بترك قوات أميركية في البلد بعد الانسحاب، لحملها على ممارسة الضغوط على الأطراف العراقية الأخرى كي تتخلّى عن معارضتها للحصانة التي تصرّ عليها واشنطن. وفي كل حال بقي الملف معلقاً.

سيناريوهات متعددة

بدأ التحضير لمرحلة ما بعد الانسحاب، أواخر أيام الرئيس بوش، في نوفمبر 2008 بالتوقيع على وثيقتي "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" و "الاتفاقية الأمنية"؛ بين البلدين. الأولى ترسم "الخطوط العريضة للعلاقات الثنائية، السياسية والاقتصادية والثقافية والتجارية، فضلاً عن تحديد المصالح الأمنية المشتركة ". وهي تبقى سارية المفعول لغاية قيام أحد طرفيها بإشعار الآخر، قبل بسنة، برغبته في وقف العمل بها. الثانية، تتعلق بالقوات الأميركية ودورها وتعاونها الأمني مع الجهات العراقية. حدّدت انسحاب هذه الأخيرة من المدن العراقية عام 2009 ومن كامل العراق مع نهاية الجاري. المفاوضات بشأن الوجود الأميركي بعد هذا التاريخ تعثّرت وطلعت سيرة الخلاف بين العاصمتين إلى العلن في سبتمبر الماضي.

في ضوء ذلك، يجري التداول بعدة سيناريوهات. منها صيغة استبدال الاتفاق بـ "مذكرة تفاهم"، أو بصيغة عقد مباشر بين وزارتي الدفاع في البلدين لا يحتاج إلى تصويت في البرلمان العراقي وتبقى بموجبه قوات أميركية في العراق لأغراض التدريب. وثمة سيناريو آخر ولو مستبعد ويقضي بالمضي في عملية الانسحاب الكامل حسب مواعيده وترك موضوع القوات للسنة القادمة ورهنه بطلب عراقي. يدفع في هذا الاتجاه فريق داخل الإدارة، يعطي الأولوية للانتخابات بحيث يظهر الرئيس أوباما كمن أوفى بوعد الانسحاب التام في حينه.

" هناك الكثير من البلبلة في هذا المجال بحيث يصعب الجزم الآن بالحصيلة. فقد تقبل واشنطن في آخر النهار، بشروط بغداد والعكس صحيح؛ كما قد لا يتم التوصل إلى اتفاق"، حسب مايكل أوهنلن مدير دائرة الدراسات الخاصة بالسياسة الخارجية، في مؤسسة بروكنز للأبحاث بواشنطن، في جوابه عن سؤال "البيان". ولو أنه يستبعد ضمناً الاحتمال الأخير " لأن بلوغ التوافق بخصوص القوات له أسبابه الوجيهة " لدى الجانبين.

 

تلخيص الخلاف

جرى تلخيص الخلاف بنقطة الحصانة. واشنطن تقول إنها لا تسمح بمقاضاة جنودها، في حال ارتكابهم تجاوزات بحق العراقيين، أمام أي قضاء غير أميركي. بغداد المكتوية بنار مثل هذه التجاوزات، تتمسك بهذا المطلب. لكن بصرف النظر عن حساسية هذا الأمر وأهميته، إلاّ انه ليس السبب الجوهري للجدل الدائر. المسألة أكثر من وضعية وحجم قوات تبقى بعد الانسحاب. بدون اتفاق، تزمع واشنطن ترك جيش من الدبلوماسيين والخبراء والتقنيين يربو عددهم على 16 ألفا " معظمهم من العناصر الأمنية التابعة لشركات خاصة "، حسب معلومات الخبير المعروف انطوني كوردسمان.

واشنطن تقول انها طالما أرادت شراكة استراتيجية مع بغداد. وهذه مقسومة ومقيدة بحسابات واعتبارات، لا تقوى على أكثر من علاقة مرحلية تستقوي بها إلى حين. لكن عملية التموضع الجارية عشية الانسحاب، تعكس حدّة الصراع الأميركي - الإقليمي على النفوذ في العراق بعد الانسحاب. أو ربما تعكس دقة المعادلة التي يجري رسمها لخريطة توزيع هذا النفوذ.